الفاشر.. بين رواية الميدان وصوت الدبلوماسية
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
سعادة وزير الخارجية وفقه الله
في زمنٍ تتداخل فيه الحقيقة بالصوت، وتختلط فيه الدبابات بالبيانات، يصبح ميزان الدولة هو الوعي، لا العاطفة. فالميدان ساحةُ الصلابة، لكن الدبلوماسية ساحةُ البقاء؛ الأولى تحفظ الأرض، والثانية تحفظ المعنى. وما جرى في الفاشر لا يُقاس بخطوط السيطرة على الخرائط، بل بقدرة الدولة على إدارة المعركة بذكاءٍ يحمي الإنسان قبل المكان، ويُوازن بين القرار العسكري والحكمة السياسية.
لقد اختارت القيادة إعادة التموضع العسكري حفاظًا على الأرواح، لا انسحابًا من المبدأ. غير أن بعض التصريحات الخارجية التي وصفت المشهد بـ“خسارة الجيش” أو “الحرب الأهلية” جاءت بلغةٍ تُضعف شرعية الدولة وتُشوّه سرديتها أمام المجتمع الدولي. وهنا يبرز دور الدبلوماسية السودانية في تصحيح المفاهيم، وتثبيت الرواية الوطنية على منابر السياسة والإعلام، بلسانٍ يشرح دون انفعال، ويدافع دون اعتذار.
المطلوب اليوم خطابٌ هادئٌ وحازم، يُذكّر بأن السودان منفتحٌ على السلام، ولكن وفق شرعيةٍ لا تُفرّط في السيادة، ولا تُكافئ التمرد، ولا تساوي بين الضحية والمعتدي. فالقضية ليست مجرد حربٍ داخلية، بل معركةُ دولةٍ ضد الفوضى، ووطنٍ يريد أن يعيش مستقلاً لا تابعًا.
سعادة الوزير،
إن صوت السودان في الخارج أصبح جبهةً موازية للميدان؛ تُحسم فيها المعارك بالكلمة لا بالرصاصة. والدبلوماسية الواعية هي التي تُحوّل الموقف إلى رسالة، والخسارة إلى فرصةٍ لإعادة ترتيب المشهد الدولي حول روايةٍ وطنيةٍ واحدة. فالكلمة اليوم ليست بيانًا سياسيًا، بل سلاحُ سيادةٍ يرفع رأس الوطن في وجه العالم.
إن التاريخ لا يخلّد الأصوات العالية، بل الأصوات العاقلة التي قالت الحقيقة بذكاءٍ واحترام. فلتكن دبلوماسيتنا — في هذا المنعطف الدقيق — مرآةً لعقل الدولة لا صداها، ولسانًا يُعبّر عن إرادة الشعب لا عن صدى الآخرين. فالوطن الذي انتصر في الميدان، قادرٌ أن ينتصر في الوعي، حين يتحدث بلسانٍ واحد: لسان السيادة والكرامة.

