إفريقيا على أعتاب التحوّل الطاقي
. القاره تمتلك احتياطيات كبيرة غير مستغلة
الدوحة : مجلة حواس
إفريقيا على أعتاب تحولٍ طاقي تاريخي يقوده الشرق الأوسط
تشهد إفريقيا اليوم مرحلة مفصلية في قطاع الطاقة، تقف فيها على أعتاب تحوّل طاقي يمكن أن يعيد رسم خريطتها الاقتصادية ويمنح الشرق الأوسط دورًا أساسيًا في دعمه. فالقارة التي تمتلك احتياطيات كبيرة غير مستغلة أصبحت في موقع استراتيجي يجمع بين تزايد احتياجات أوروبا من الطاقة وفرص استثمارية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات. ويُتوقع أن يشكّل الغاز الطبيعي عنصرًا رئيسيًا في تحقيق التوازن بين الاعتماد الحالي على الوقود الأحفوري والتوجه نحو مستقبل منخفض الكربون.
ويشير أحدث تقارير مؤسسة العطية إلى أن السباق نحو هذا المستقبل قد بدأ بالفعل، وأن الوقت يضيق أمام اتخاذ خطوات حاسمة.
وينوه تقرير مؤسسة العطية بعنوان “تمكين مستقبل إفريقيا: دور الغاز الطبيعي في النمو الاقتصادي والتحوّل الطاقي” إلى أن القارة تمتلك احتياطات مؤكدة تُقدّر بنحو ١٣ تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، تتصدرها نيجيريا بـ٥٫٥ تريليون متر مكعب، تليها الجزائر بنسبة ١٨٪ من الإجمالي، ثم موزمبيق. وتشكل هذه الدول الركيزة الأساسية لخريطة الغاز الإفريقية التي تشهد توسعًا متسارعًا مع دخول دول جديدة مثل تنزانيا وموريتانيا والسنغال إلى مجال استكشاف الغاز البحري.
غير أن تحويل هذه الثروة إلى واقع اقتصادي ملموس يتطلب استثمارات ضخمة تُقدّر بنحو ٣٧٥ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠، بما يتيح إنتاج نحو ٩٠ مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
كما يوضح التقرير الدور المتنامي الذي يمكن أن تؤديه دول الخليج، وفي مقدمتها قطر والإمارات والسعودية، في دعم التحوّل الطاقي في إفريقيا. فبفضل خبرتها الواسعة في صناعة الغاز الطبيعي المسال وأسواق الطاقة العالمية، تسهم هذه الدول في تمويل مشاريع البنية التحتية، وتسهيل الوصول إلى مصادر التمويل، وتعزيز نقل التكنولوجيا. وتشير البيانات إلى أن عام ٢٠٢٤ شهد إعلان شركات خليجية عن ٧٣ مشروع استثمار مباشر في إفريقيا بقيمة تجاوزت ٥٣ مليار دولار، وهو ما يعكس توسّع الحضور الخليجي في مجالات الطاقة والبنية التحتية عبر القارة.
لقد حفّز الطلب الأوروبي، في أعقاب الصراع الروسي–الأوكراني، فرصًا جديدة أمام القارة الإفريقية، لكنه في الوقت ذاته كشف عن فجوات عميقة في البنية التحتية. ففي حين تصدّر إفريقيا حاليًا نحو ٣٧ مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وقرابة ٤٤ مليار متر مكعب سنويًا عبر خطوط الأنابيب، ما تزال اشكاليات النقل، والمخاوف الأمنية، ونقص التمويل تشكّل عقبات تحدّ من نمو هذا القطاع الحيوي. وتبرز مشاريع كبرى مثل غاز موزمبيق، ونيجيريا للغاز الطبيعي المسال (المرحلة السابعة)، وحقل غرين تورتيو أحميم بين السنغال وموريتانيا، كأمثلة على الإمكانات الكبيرة التي يمكن تحقيقها، شريطة أن تتكامل جهود التمويل الدولي مع إصلاحات الحوكمة.
ولجذب الاستثمارات، يؤكد التقرير على أهمية الإصلاحات التنظيمية والمالية التي تشمل استقرار الأنظمة الضريبية وزيادة الشفافية وتعزيز الجدارة الائتمانية للمؤسسات الخدمية. كما يشكل بنك الطاقة الإفريقي، وهو مبادرة مشتركة بين البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد ومنظمة منتجي النفط الأفارقة برأسمال أولي يبلغ ٥ مليارات دولار، والبنوك الإنمائية، خطوة مهمة لتقليل المخاطر الاستثمارية وتحفيز المشاريع الاستراتيجية. ورغم ذلك، يحذر التقرير من أن غياب هذه الآليات قد يتسبب في تعثر العديد من المشاريع قبل بلوغها قرار الاستثمار النهائي. ولا يقتصر دور الغاز على التصدير فقط، بل يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير الصناعات المحلية وتوسيع الوصول إلى الطاقة. كما أن استبدال قرابة 100 غيغاواط من الكهرباء المعتمدة على الديزل بأنظمة تعمل بالغاز أو بأنظمة طاقة هجينة، سيسهم في خفض الانبعاثات وتحسين موثوقية الإمدادات في المناطق الحضرية. وتبرز تجارب دول مثل نيجيريا ومصر في هذا المجال كنماذج ناجحة لكيفية استخدام الغاز في تحفيز النمو الاقتصادي، في حين تسعى دول أخرى مثل غانا وجنوب إفريقيا إلى تطوير شبكات هجينة تجمع بين الغاز ومصادر الطاقة المتجددة لتحقيق مزيد من الاستقرار في أنظمتها الكهربائية.
وفي ختام التقرير، تؤكد مؤسسة العطية أن مستقبل الغاز الإفريقي سيتحدد من خلال سباق التوسّع والإنتاج، حيث يُتوقع أن تتصدر دول مثل نيجيريا ومصر وموزمبيق وموريتانيا والسنغال المشهد العالمي كمراكز رئيسية لتصدير الغاز المسال. ويبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن إفريقيا من اغتنام هذه الفرصة التاريخية؟
الإجابة، كما يشير التقرير، ستعتمد على الإرادة السياسية وثقة المستثمرين وقدرة الحكومات على الموازنة بين الطموحات التصديرية ومتطلبات التنمية المحلية.

