أكثر من 450 متحدثًا، في نقاشات رفيعة المستوى تحت شعار “ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس
مستقبل الحوكمة العالمية والوساطة الدولية يتصدر جدول أعمال اليوم الثاني من منتدى الدوحة 2025
المشاركون في المنتدى يناقشون اليات التحول في موازين القوى ونماذج الوساطة الجديدة ومستقبل تعددية الأطراف في العالم
رئيس الوزراء:
ضرورة توفير “مكان آمن للأطراف المتنازعة للتوصل إلى اتفاق، وإنهاء الحروب والنزاعات
الدوحة، حسن ابوعرفات مجلة حواس اختتم منتدى الدوحة 2025 نقاشات يومه الثاني، برسالة واضحة مفادها أن النظام العالمي يشهد تغيرات جذرية، وأن هياكل الحوكمة العالمية والوساطة والدبلوماسية عليها أن تتواءم مع هذه التغيرات حتى يمكنها مواكبة التحديات والتعقيدات التي تطرحها الأزمات المتفاقمة في عالم اليوم. واُختتمت أعمال المنتدى بدعوة أطلقتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر ومؤسسة التعليم فوق الجميع، إلى الالتزام الجماعي بالعدالة وتحقيق الوصول العادل للأمان والتعليم والرعاية الصحية.
وعلى مدى يومين، شارك أكثر من 6000 مشارك من أكثر من 150 دولة، ضموا فيما بينهم أكثر من 450 متحدثًا، في نقاشات رفيعة المستوى تحت شعار “ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس”. وتناولت الجلسات النقاشية دور الدول التي تنخرط في جهود الوساطة العالمية ومستقبل الوساطة المدارة من قبل الذكاء الاصطناعي، والشروخ الموجودة في النظام العالمي، وكذلك الحاجة الملحة إلى نهجٍ شامل ينبثق من قلب كل منطقة من مناطق العالم لعلاج أزماتها.
وتنعقد النسخة الثالثة والعشرين من منتدى الدوحة، تحت الرعاية الكريمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حيث استقطبت مجموعة من أبرز قادة العالم وصناع السياسات والدبلوماسيين والخبراء والمبتكرين الذين انخرطوا في العديد من النقاشات والحوارات لاستشراف آفاق التطور الذي تشهده حركة الحوكمة العالمية والدبلوماسية والمساءلة في ظل الديناميات الجيوسياسية التي تتغير بوتيرة متسارعة عبر العالم.
وواصلت جلسات اليوم الثاني النقاش حول القضايا والموضوعات التي تخللت أعمال اليوم الأول مثل العدالة والثقة في النظام العالمي والتعاون، والتي جرى خلالها طرح مجموعة من الرؤى والمقترحات التي من شأنها إعادة تنظيم القوى الدولية الناشئة ودعم مسؤوليات التنمية الإنسانية والتقنيات المتطورة التي تعيد صياغة شكل العلاقات الدولية.
الوساطة والصراعات
اليوم الثاني: أبرز النقاشات والمحاور
1- الوساطة والصراعات وتحولات ما بعد الأزمات
الانتقال في سوريا: بعد عام واحد
استعرض خبراء إقليميون ودوليون التطورات الجارية في سوريا، مؤكدين التعقيدات التي تعترض جهود تحقيق الاستقرار وأهمية التنسيق الدولي الشامل والنهج القائم على الشمولية.
وقال سعادة السيد أسعد حسن الشيباني، وزير الخارجية في الجمهورية العربية السورية: “عندما نتحدث عن سوريا اليوم، وخصوصًا خلال الأشهر الاثني عشر الماضية منذ 8 ديسمبر، يمكننا بثقة أن نتحدث عن قصة نجاح صنعها السوريون بأنفسهم. لقد أظهروا للعالم أن الشعب السوري قادر على تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل بثقة وعزيمة. لقد استعدنا ثقة الشعب، والسنوات القادمة ستتسم بزخم وتجدد.”
وأكد سعادة الدكتور محمد بن عبدالعزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، أن قطر ظلّت ثابتة في دعمها للشعب السوري على مدى 14 عامًا من الحرب الأهلية، قائلاً:” بقينا ثابتين، مؤمنين إيمانًا راسخًا بأن هذا هو الطريق الصحيح للسورييين لبناء دولة مزدهرة، ذات سيادة، توفر للشعب فرصة عيش حياة أفضل.”
وأضاف أن العلاقات بين قطر وسوريا “لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم منذ تغيير النظام. لقد انخرطنا بشكل وثيق عبر قطاعات متعددة، الطاقة، والمالية، وحتى على المستوى الدولي. هذا هو الطريق الصحيح للمضي قدمًا، وهو يعكس ما يؤمن به الشعب السوري وما يستحقه.”
محادثات صانعي الأخبار
في مقابلة مع الإعلامي البارز تاكر كارلسون، شدّد معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في دولة قطر، على أهمية توفير “مكان آمن للأطراف المتنازعة للتوصل إلى اتفاق، وإنهاء الحروب والنزاعات”، مضيفًا: “أن يتعرّض الوسيط للقصف من أحد أطراف النزاع، فهذا أمر غير مسبوق. لم يكن مجرد خطوة غير أخلاقية، بل كان بمثابة رمي كل شيء عرض الحائط.”
كما أشار معاليه إلى المفارقة في مطالبة بعض الأطراف الإقليمية بإعادة بناء ما دمّرته إسرائيل في حربها على غزة، مؤكدًا: “من جانبنا كدولة قطر، سنواصل دعم الشعب الفلسطيني، وسنفعل كل ما بوسعنا للتخفيف من معاناتهم، لكننا لسنا الجهة التي ستتولى إعادة الإعمار.”
وفي حوارها مع رافي أغراوال، رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي، علّقت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة السيدة هيلاري كلينتون على استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت حديثًا، قائلة:” تشير هذه الاستراتيجية إلى تحوّل كبير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعيدًا عن التحالفات التي لطالما شكّلت أساس نفوذها العالمي.”
وأضافت: “هناك انتقاد حاد موجّه إلى أوروبا، ولا سيما انفتاحها وتركيبتها السكانية. وبرأيي، هذا يخلق انقسامًا غير ضروري بيننا وبين دول نتشارك معها الكثير، ويجمعنا معها العديد من المصالح الضرورية لأمننا.”
وفي نقاش رفيع المستوى مع غريغ كارلستروم، مراسل الشرق الأوسط بمجلة الإيكونوميست، تحدّث دولة الدكتور نواف سلام، رئيس وزراء الجمهورية اللبنانية، عن الإصلاحات الهادفة إلى إعادة الاقتصاد اللبناني إلى مساره الصحيح، قائلاً: “نعمل على مشروع قانون يتيح للمودعين الوصول إلى حساباتهم المجمّدة قبل نهاية هذا الشهر ونحن ملتزمون بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، بعدما أثبتنا قدرتنا على تنظيم الانتخابات البلدية وفق الجدول المحدد. ونعتزم عقد الانتخابات في شهر مايو.”
٢. العدالة أساس الأمل بالمستقبل
في الجلسة الختامية التي حملت عنوان “مستقبل يستحق أن نؤمن به: إعادة بناء الثقة من خلال العمل المشترك”، دافعت المحامية الدولية فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عن ضرورة الالتزام بالقانون الدولي، مشيرةً إلى أن:”المشكلة لا تكمن في القانون الدولي، بل في السياسة. السياسة هي التي فقدت بوصلتها الأخلاقية بالكامل.”
وأضافت أن الأحداث الأخيرة في غزة أيقظت الضمير العالمي، ودَفعت الشباب إلى إعادة التفكير في نظام الحوكمة العالمية، قائلة: “نحتاج إلى تفكيك هذا النظام بشكل سلمي ومحترم، وذلك عبر السير على نهج العدالة.”
٣. التعليم والشمولية والتنمية البشرية
التعليم كحقّ وعدالة في أوقات الأزمات
تصدّر التعليم محاور اليوم الثاني من خلال عدد من الجلسات التي ناقشت قضايا التعليم والعدالة، والدبلوماسية التعليمية، والتمكين الاقتصادي في أفريقيا عبر الاستثمار في التعليم. وسلّط المتحدثون الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه المتعلمين في مناطق عدة، من بينها فلسطين وسوريا، مؤكدين الحاجة الماسّة إلى دعم دولي مستدام، وتعزيز حماية الأنظمة التعليمية في ظل النزاعات وحالات النزوح.
وأكد فخامة الرئيس جون دراماني ماهاما، رئيس جمهورية غانا، أن حكومته تستثمر 20% من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع التعليم، قائلًا:”إن التعليم ليس امتيازًا، ولا خيارًا ثانويًا في سياسات الحكومات، بل هو حق أصيل وشرط أساسي للكرامة، والتمكين، والتحقق الكامل لإمكانات كل مواطن”.
ومن جانبها، قالت سعادة السيدة هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الجمهورية العربية السورية: إذا سألت أي طفل، ما هي العدالة بالنسبة لك، فلن يذكر أبدًا أنني أريد أن أرفع قضية ضد أحد… كل ما يريده الأطفال هو المدرسة.”
فيما صرّح حمزة يوسف، عضو في الحزب الوطني الاسكتلندي، قائلًا: “نحن لا نعيش في زمن المساءلة، بل في زمن التواطؤ، حيث انقلب العالم رأسًا على عقب؛ فيُعاقَب من يعارض الإبادة الجماعية مثل فرانشيسكا، بينما يُكافَأ المتواطئون فيها بالمال والسلاح.”
٤. التكنولوجيا والمناخ والتحول الاقتصادي
ودار النقاش خلال جلسات هذا المحور حول التحديات المتزايدة والمرتبطة بحوكمة التغيرات التكنولوجية والبيئية المتسارعة، بما في ذلك تنظيم الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون في الأمن السيبراني، ودعم العمل المناخي في دول الجنوب العالمي، إلى جانب استعراض نماذج جديدة للتمكين الاقتصادي.
ودعا المشاركون عبر هذه الجلسات، إلى تجديد الثقة في العمل الدولي المشترك وبناء أنظمة مرنة قادرة على التعامل مع مخاطر وتحديات القرن الحادي والعشرين.
وفي جلسة “الوساطة في عصر الذكاء الاصطناعي: أدوات جديدة ومقاربات جديدة”، قالت سعادة السيدة إيزومي ناكاميتسو، وكيلة الأمين العام والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح في مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح: “نحن بحاجة فعلًا إلى فهم معمّق للكيفية التي يؤثر بها التطور التكنولوجي على مشهد الصراع. فليس الأمر مقتصرًا على خطاب الكراهية عمومًا، بل هناك تحوّل جوهري يؤثر في التماسك الاجتماعي. والطريقة التي يُصمَّم بها الذكاء الاصطناعي، وكيفية جمع المعلومات، كل ذلك يترك أثرًا هائلًا على مشهد الصراع.”
وأشارت هيلينا بوويغ لاراروري، الشريكة المؤسسة والقائدة الاستراتيجية في Build Up، إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصنعوا مساحة تتيح لأطراف الصراع تحدّي معتقداتهم عبر طرح أسئلة لا يمكنهم طرحها وجهًا لوجه، مضيفة:
“المشكلة ليست في كون الحقيقة تتآكل (بسبب التكنولوجيا)، بل في كونها تتشظّى. إنّه تشظّي الحقيقة الذي يؤدي دوره في غزة وأوكرانيا والسودان.”
يُعد منتدى الدوحة منصة عالمية للحوار، تجمع القادة وصنّاع السياسات وكبار التنفيذيين وممثلي المجتمع المدني والمفكرين لتبادل الأفكار وإيجاد حلول لأبرز التحديات التي تواجه عالمنا اليوم


