*حصاد اقتصاد السودان 2025 بين أرقام الواقع واحتمالات المستقبل*
محمد كمير
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
شهد الاقتصاد السوداني خلال عام 2025 عامًا شديد التعقيد، اتسم باستمرار التداعيات العميقة للحرب وتراجع قدرة الدولة على إدارة الموارد بكفاءة، في ظل بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان خلال 2025 بنسبة تراوحت بين 2% و4%، مقارنة بانكماشات أعمق في الأعوام السابقة، وهو ما يعكس تباطؤًا نسبيًا في التدهور وليس تعافيًا فعليًا. ويُقدَّر حجم الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بأقل من 35 مليار دولار، مقارنة بأكثر من 60 مليار دولار قبل اندلاع الحرب، ما يوضح حجم الفاقد الاقتصادي المتراكم.
على مستوى التضخم، واصل السودان تسجيل واحد من أعلى معدلات التضخم في العالم، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط معدل التضخم السنوي في 2025 تجاوز 120%، مدفوعًا بانهيار سلاسل الإمداد، تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية. فقد تراوح سعر صرف الجنيه السوداني في السوق الموازية بين 1,800 و2,200 جنيه للدولار خلال العام، مع غياب سياسة نقدية فاعلة وفعليًا فقدان البنك المركزي لأدواته التقليدية في ضبط السوق النقدي.
أما الميزان التجاري، فقد ظل يعاني من اختلال هيكلي مزمن، حيث تُقدَّر الصادرات السودانية في 2025 بنحو 4 إلى 4.5 مليار دولار، أكثر من 70% منها من الذهب، معظمها خارج القنوات الرسمية، في حين تجاوزت الواردات 9 مليارات دولار، تتركز في الغذاء والوقود والدواء. هذا العجز التجاري المزمن يعكس هشاشة القاعدة الإنتاجية واعتماد الاقتصاد على الاستيراد في ظل تراجع الزراعة والصناعة، وهما القطاعان الأكثر تضررًا من الحرب وضعف التمويل.
في جانب المالية العامة، تشير التقديرات الدولية إلى أن العجز في الموازنة العامة تجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي، يتم تمويله في معظمه عبر التوسع النقدي غير المغطى، ما يغذي دوامة التضخم. كما ظل الدين الخارجي عند مستويات تفوق 60 مليار دولار، مع توقف فعلي لمسار إعفاء الديون ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، بسبب غياب حكومة مدنية مستقرة وعدم استيفاء شروط الحوكمة والشفافية المطلوبة دوليًا.
وإذا استمر الاقتصاد السوداني في عام 2026 بنفس الوتيرة الحالية، دون إصلاحات هيكلية جادة أو استعادة الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسسي، فإن السيناريو المرجح يتمثل في مزيد من التآكل في القوة الشرائية، واتساع رقعة الفقر التي تجاوزت بالفعل 65% من السكان وفق تقديرات البنك الدولي، مع ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب. كما يُتوقع أن يستمر النزيف في احتياطيات النقد الأجنبي، وتزداد دولرة الاقتصاد، بما يضعف أي فرصة لاستعادة الثقة في الجنيه السوداني أو جذب استثمارات حقيقية.
ويُعد غياب الشفافية والحوكمة الرشيدة أحد أخطر العوامل التي فاقمت الأزمة الاقتصادية. إذ تسيطر فئة محدودة على مفاصل رئيسية في الاقتصاد، خصوصًا في قطاعات الذهب والتجارة الخارجية والوقود، خارج إطار الموازنة العامة والرقابة المؤسسية. هذا الوضع حرم الدولة من موارد ضخمة تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، وعمّق التشوهات الاقتصادية، وخلق اقتصادًا موازيًا أكثر قوة من الاقتصاد الرسمي، ما أدى إلى تآكل مفهوم العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص.
إن حصاد اقتصاد السودان في 2025 يكشف بوضوح أن الأزمة لم تعد ظرفية أو مؤقتة، بل أصبحت أزمة بنيوية مركبة، لا يمكن معالجتها بالمسكنات أو الحلول الجزئية. واستمرار النهج الحالي في 2026 سيعني دفع الاقتصاد نحو مزيد من الانكماش والفوضى، في حين أن أي أفق للتعافي يظل مشروطًا بإصلاحات جذرية تشمل توحيد القرار الاقتصادي، إخضاع الموارد السيادية للرقابة، تفكيك اقتصاد الامتيازات، واستعادة الثقة الداخلية والدولية عبر الشفافية وحكم القانون، وهي شروط باتت لا غنى عنها لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد الوطني.

