مفهوم الأمن في العلاقات الدولية … بين التحيّز السياسي وتعدّد المقاربات النظرية
بقلم/ مصطفى عبد الحليم محمود
دبلوماسي سوداني
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، اطّلعت على مقال في مجلة حواس للباحث في العلاقات الدولية الأستاذ منير معاوية علي، بعنوان “مفهوم الأمن في العلاقات الدولية: من هاجس البقاء إلى إشكالية المعنى”، تناول فيه مفهوم الأمن في النظام الدولي من زاوية نقدية جريئة، متوقفاً عند التناقض الصارخ في التعاطي الدولي مع الأزمات الإنسانية، ولا سيما في المقارنة بين الحرب في أوكرانيا والمأساة الجارية في السودان. وقد أثار المقال لديّ رغبة في التوقف عند هذه الأطروحات، لا من باب الجدل، بل انطلاقاً من أهميتها وما تفتحه من أسئلة جوهرية تستحق نقاشاً أوسع، الأمر الذي دفعني إلى كتابة هذا التعليق سعياً لتوسيع الفكرة وربطها بإطار نظري أعمق وتحليل السياسات الدولية تجاه السودان.
يقدّم المقال قراءة نقدية عميقة لمفهوم الأمن في العلاقات الدولية، ويصيب بدقة في تشخيص أزمة المعنى التي أصابت هذا المفهوم حين تحوّل من قيمة إنسانية كونية إلى أداة سياسية انتقائية. وتكمن قوته الأساسية في أنه لا يكتفي بوصف هذا التحول، بل يربطه ببنية النظام الدولي ذاتها، كاشفاً كيف يُمنح الأمن وفق اعتبارات التحالف والهوية، لا وفق القيمة المتساوية لحياة الإنسان. ولا تأتي المقارنة بين أوكرانيا والسودان بوصفها مفاضلة بين مأساتين، بل بوصفها مرآة كاشفة لاختلال المعايير التي تحكم استدعاء مفهوم الأمن الإنساني.
غير أن توسيع النقاش يستدعي وضع هذا النقد ضمن الإطار الأوسع لنظريات العلاقات الدولية، بما يسمح بفهم هذا الخلل لا باعتباره انحرافاً أخلاقياً عابراً، بل نتيجة منطقية لتصورات متباينة للأمن وهيمنة تعريف بعينه داخل النظام الدولي. فمن منظور الواقعية الكلاسيكية،كما صاغها هانس مورغنثاو في كتابه “السياسة بين الأمم«، الصادر عام 1948م، تُفهم السياسة الدولية بوصفها صراعاً دائماً على القوة، ويُختزل الأمن في حماية المصالح القومية وضمان البقاء. ويعزّز كينيث والتز هذا التصور البنيوي في نظرية السياسة الدولية (1979م)، حين يرى أن بنية النظام الدولي الفوضوية تدفع الدول إلى السعي للأمن الذاتي، دون اكتراث حقيقي بالاعتبارات الأخلاقية أو الإنسانية.
في ضوء هذا المنطق، لا يبدو التجاهل الدولي للمأساة السودانية خللاً استثنائياً، بل نتيجة مباشرة لموقع السودان خارج دوائر الأمن الحيوي للقوى الكبرى. فغياب تهديد مباشر لتوازن القوى يجعل الأزمة السودانية غير مُؤمْنَنة (de-securitized) على المستوى العالمي، مهما بلغت كلفتها الإنسانية، بينما تتحوّل أوكرانيا إلى أولوية أمنية قصوى لكونها تمسّ أمن أوروبا وحلف الناتو. وهنا يغدو الأمن، كما تصوّره الواقعية الكلاسيكية والبنيوية، مفهوماً وظيفياً انتقائياً يُستدعى حين يخدم حسابات القوة، ويُعلّق حين يبتعد عنها.
أما المقاربة الليبرالية، التي راهنت على المؤسسات الدولية والاعتماد المتبادل بوصفها أدوات لتعزيز الأمن الجماعي، كما طرحها روبرت كيوهان وجوزيف ناي في “القوة والاعتماد المتبادل” عام 1977م، فتبدو محدودة الفاعلية في الحالة السودانية. فرغم الخطاب الكثيف حول حقوق الإنسان، أخفقت الأمم المتحدة ومجلس الأمن في توفير حماية فعلية للمدنيين أو فرض مساءلة حقيقية عن الفظائع التي ترتكبها المليشيا المتمردة منذ أكثر من عامين. وتكشف هذه التجربة ما وصفه ستيفن كراسنر في كتابه “السيادة: نفاق منظَّم (1999م)”، حيث تُستدعى القيم المعيارية حين تتقاطع مع مصالح القوى النافذة، وتُجمَّد حين تتعارض معها، ليغدو الأمن الإنساني خطاباً أخلاقياً بلا أدوات إلزام.
وتقدّم النظرية البنائية فهماً أعمق لإشكالية المعنى، إذ يرى ألكسندر وندت في «النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية” (1999م) أن التهديدات لا تُكتشف موضوعياً، بل تُبنى اجتماعيًا عبر الخطاب والهوية. ووفق هذا المنظور، لم تُقدَّم معاناة المدنيين في السودان بوصفها تهديداً وجودياً للنظام الدولي أو للضمير الإنساني العالمي، بل كصراع داخلي معقّد، في حين جرى أمننة أوكرانيا بسرعة عبر خطاب يربطها بالدفاع عن القيم الغربية والنظام الليبرالي العالمي. وهو ما يكشف الدور الحاسم للهوية والتحالف في تحديد من يستحق الحماية ومن يُترك في الهامش.
وتُعزّز المقاربات النقدية وما بعد الاستعمار هذا التحليل، إذ أشار روبرت كوكس في دراسته «القوى الاجتماعية والدول والنظام العالم” (1981م) إلى أن النظريات السائدة لا تكون محايدة، بل تخدم بنى الهيمنة القائمة. فيما كشف إدوارد سعيد في “الاستشراق (1978م)”، كيف يُعاد إنتاج «الآخر» في الجنوب العالمي بوصفه موضوعاً للإدارة والسيطرة لا شريكًا متكافئاً في القيم. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في السياسات الدولية تجاه السودان، حيث يُختزل الأمن في احتواء تدفقات اللاجئين أو منع تسرّب عدم الاستقرار الإقليمي، دون معالجة الجذور البنيوية للعنف، ليغدو الأمن أداة ضبط وإدارة لا أداة حماية، كما أشار المقال بدقة.
ورغم تبنّي مفهوم الأمن الإنساني رسميًا منذ تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1994، تكشف التجربة السودانية هشاشته حين لا يُدعَم بإرادة سياسية حقيقية. ويضيف المقال بُعدًا قيميًا مهمًا حين يستحضر التصور الإسلامي للأمن القائم على العدل وصون الكرامة الإنسانية، حيث لا يُنظر إلى الأمن بوصفه ثمرة للقوة أو الإكراه، بل نتيجة طبيعية لرفع الظلم واستقامة البنية الأخلاقية للمجتمع، وهو تصور يتقاطع مع أطروحات السلام الإيجابي التي تربط الأمن بالعدالة الاجتماعية.
وخلاصة القول، إن المقال يقدّم اختباراً صريحاً لصدقية منظومة الأمن الدولي، ويكشف أن أزمة الأمن في السودان ليست استثناءً، بل تعبيراً عن خلل بنيوي أعمق. فحين يُفصل الأمن عن العدالة ويُحتكر من قبل الأقوى، يفقد معناه الإنساني ويتحوّل إلى أداة انتقائية تُنتج مزيداً من الهشاشة وعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن إعادة التفكير في السياسات الدولية تجاه السودان لا تنفصل عن الحاجة الأوسع لإعادة تعريف الأمن ذاته بوصفه حقاً إنسانياً غير قابل للتجزئة، لا امتيازاً سياسياً مشروطاً بالتحالفات وموازين القوة.

