*في وداع الشاذلي عبد القادر*
بقلم/ طارق شريف ساتي
شتاء عام 2010 شاركتُ في مؤتمر اقتصادي بالعاصمة النمساوية فيينا. كان من ضمن من تعرفت إليهم هناك شابٌ وضّاءُ الملامح، تسبقه ابتسامته، ويزينه جماله الإنساني؛ إنه الشاذلي عبد القادر.
مضت السنوات، والتقيتُ بالشاذلي من جديد في إسطنبول عام 2024، أثناء مشاركتي في مؤتمر الحلال بدعوة من هيئة المواصفات التركية.
خلال أيام إقامتي القصيرة في إسطنبول، كان الشاذلي يرسم على المدينة بلوحة سريالية رائعة بحيويته وحسن خلقه. لم ألقه إلا وهو يهمُّ بفعل خير: يغيثُ ملهوفًا، يُكرم ضيفًا، يعودُ مريضًا، أو يشاركُ في جنازة. زرته في مكتبه بشركة سنكات ، وكان مكتبًا مفتوحًا على الحب والبساطة. تعامله مع الموظفين السودانيين والأتراك كان مدرسة في الإدارة الإنسانية. كان المكتب قِبلةً لكل طالب حاجة، والشاذلي لم يعرف كلمة “لا” قط، ولم يقلها إلا في تشهده، ولولا التشهُّد لكانت “لا” عنده “نعم”.
رغم الازدحام الشديد في مكتب الشركة وانشغاله بأعمال اجتماعية، كان مهتمًا بأمر الجالية السودانية في إسطنبول، فهو من الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس. كنتُ أستغرب كيف يجد هذا الرجل الوقت للقيام بعمله في الشركة، وهي مهام عظيمة تنوء عن حملها الجبال. كان الشاذلي أيضًا من الأبطال الأخفياء لحرب الكرامة، وقام بجهد وافر جزاه الله خيرًا.
لكن الإجابة أتتني سريعًا؛ إنها البركة التي وضعها الله له في وقته. لقد تربى الشاذلي في بيت صوفي شهير، فوالده هو شيخ الطريقة الشاذلية، وهناك تعلم أول مبادئ أن خدمة الناس هي الطريق إلى البركة والنجاح في العمل. استطاع الشاذلي أن يتعمق في المجتمع التركي وأن يبني علاقات واسعة مع النخبة وصناع القرار، وقد ساعده في ذلك إجادته للغة التركية، فكان يتحدثها كأهلها، إذ درس في جامعة تركية وظل مقيمًا في تركيا لأربعين عامًا مع رفيق دربه محمد بابكر، الذي اتجه بدوره إلى مجال العمل الخاص. كان الشاذلي متفقًا عليه؛ كان رجل خير ومروءة، يسارع في فعل الخير وكأنه يسابق الزمن.
في بورتسودان قبل عام، كان آخر لقاء لي مع الشاذلي، حيث حضر للمدينة على رأس وفد من أكبر الشركات التركية للمساهمة في إعمار السودان. كان مهمومًا بتعمير الوطن، ويعمل بصدق لتطوير العلاقات السودانية التركية.
رحل الشاذلي في الميدان وهو يقوم بأعماله الوطنية. نسأل الله أن يجعله من أصحاب اليمين ويتقبله أحسن القبول. رحل الشاذلي، ولكن سيبقى الرحيق.

