إزدهار صناعة التمويل الإسلامي والمنتجات الحلال
المثني سعد الاقرع
حققت صناعة التمويل الإسلامي نمواً ملحوظاً منذ نشأتها قبل خمسين عاماً، وواصلت خلال السنوات الأخيرة تسجيل معدلات نمو سنوية مزدوجة الرقم مما يعكس الإمكانات الكبيرة المتاحة لمواصلة مسار النمو المتسارع. فقد مثَّل تأسيس أول مصرف إسلامي تجاري حديث في عام 1975 (بنك دبي الإسلامي) مقدّماً خدمات مالية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية إيذاناً بانطلاقة صناعة نمت لتبلغ قيمتها نحو تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2010 ثم سجلت التريليون الثاني في عام 2014، وظلت تواصل هذه الصناعة إظهار حيوية لافتة وزخماً عالمياً متصاعداً فبدلاً من التباطؤ وسّعت الصناعة نطاق حضورها ليشمل 140 دولة وبلغت قيمتها نحو 5.2 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2025 مسجلة نمواً سنوياً قدره 21%.
وقد توسّعت هذه الصناعة لتتجاوز نطاق الصيرفة الإسلامية، فشملت الصكوك الإسلامية والتكافل والصناديق الاستثمارية الإسلامية، وغيرها من المنتجات والخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة والتي تُقدَّم اليوم في صيغ مبتكرة ورقمية متنوّعة. وبحسب أحدث التقارير الصادرة عن مجموعة بورصة لندن (LSEG) مطلع العام الجاري تدخل صناعة التمويل الإسلامي العالمية عام 2026 بزخمٍ استثنائي مع اقتراب إجمالي الأصول من مستويات 6 تريليونات دولار، مدفوعة بتوسع متين في قطاعات الصيرفة الإسلامية وأسواق رأس المال والتكافل إلى جانب النمو المتسارع لقطاع التكنولوجيا المالية الإسلامية، وبهذه الوتيرة فقد توقعت مجموعة بورصة لندن أن تقترب أصول التمويل الإسلامي عالمياً من مستوى 10 تريليونات دولار أمريكي بنهاية العقد الحالي ومن أبرز الاتجاهات التي ستشكّل مسار هذا النمو تعزيز الترابط عبر الحدود، وتحسين الأطر التنظيمية، وإطلاق مبادرات استراتيجية من قبل الحكومات، فالتمويل الإسلامي مرشح ليصبح ركيزة رئيسية في منظومة التمويل العالمي الأخلاقي والشامل.
إستضافت المملكة العربية السعودية خلال الفترة 14-16 فبراير الحالي بالعاصمة المقدسة مكة المكرمة، فعاليات “منتدى مكة للحلال- بنسخته الثالثة ” ، تحت شعار “الحلال صناعة احترافية “. جاء على لسان الأمين العام للمنتدى والأمين العام للغرف الإسلامية للتجارة والتنمية (ICCD) معالي السيد يوسف الخلاوي وهو خبير مرموق في الاقتصاد الإسلامي والاستثمار الدولي وإدارة الشركات العائلية ، أن سوق الحلال العالمي قدر بنحو 7 تريليونات دولارامريكي خلال العام 2025 ومن المتوقع أن يصل حجم سوق الحلال إلى 10 تريليونات دولار بحلول عام 2030 في ظل تسارع نمو الطلب الاستهلاكي العالمي وتوسع الاستثمارات في سلاسل القيمة المرتبطة بالصناعات الحلال.
تُمثّل صناعة الأغذية الحلال قطاعًا عالميًا عالي التنافسية، تقوده شركات كبرى تدير سلاسل إنتاج وتوزيعٍ عابرة للحدود. وفي طليعة هذه الشركات تبرز شركة نستله كأحد اقدم وأهم الفاعلين في هذا القطاع من خلال شبكة مصانعها المنتشرة حول العالم ( 335 مصنع ب 75 دولة وتباع منتجاتها بحوالي 185 دولة )، وذلك إلى جانب شركتي كارجيل ويونيليفر العالميتين، فضلًا عن شركات متخصصة مثل أمريكان حلال والفلاح للأغذية الحلال، والتي أسهمت مجتمعةً في ترسيخ حضور المنتجات الحلال وتوسيع نطاقها في الأسواق الدولية. كما أشار أمين عام المنتدى يوسف الخلاوي الى مفارقة هامة في خارطة القوى الفاعلة في هذا السوق تتمثل في تصدر دول غير إسلامية مثل البرازيل والهند والولايات المتحدة ونيوزيلندا كبار المصدرين في المجال وبحصص سوقية ضخمة، كما تتنامى مكانة الدول الإسلامية بوصفها قوى استهلاكية وانتاجية واعدة بقيادة إندونيسيا وماليزيا، الى جانب السعودية والامارات وتركيا وباكستان ومصر مما يعزز تبلور تكتل مؤثر في تشكيل ملامح مستقبل الإقتصاد الاسلامي.
السودان بدوره لديه الفرص والإمكانيات للعودة من الإستفادة وبقوة من تنامي الزخم العالمي في نمو قطاعي التمويل الإسلامي وسوق منتجات الحلال ولا شك انه يمتلك مقومات طبيعية وبشرية وتشريعية تؤهله ليكون لاعباً إقليمياً وعالمياً مهماً. ويمتلك السودان تجربة رائدة في مجال الصيرفة الإسلامية حيث يعتبر من أوائل الدول العربية التي تعمل بنظام مصرفي إسلامي شامل، مع ثروة من الخبرات المحلية في المنتجات التمويلية الإسلامية (مثل المرابحة والمشاركة) والتي أثبتت ارتباطًا إيجابيًا بالنمو الاقتصادي على المدى الطويل. ويتعبر السودان الان في أمس الحوجة الى إبتكار الأساليب والبدائل للإستفادة من هذا الزخم العالمي والنمو في القطاعين، كتطوير و إبتكار صكوك إعمار سيادية (Sukuk) موجهة لجهود إعادة الإعمار وبناء الإقتصاد المحلي عقب خروج العديد من المنشآت الصناعية من دائرة الانتاج وفقا لما هو معلوم، ايضا تعمل على تمويل المشاريع الإنتاجية المستدامة بمختلف انواعها ومشاريع البنية التحتية والطاقة ، وذلك بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ليجذب رؤوس أموال إقليمية ودولية. فضلاعن ذلك الاستفادة من زخم التمويل الإسلامي المجمع او المشترك ( Islamic syndicated financing) والذي ارتفع بنحو 16% على اساس سنوي خلال عام 2025 ليصل الى ما يقارب 215 مليار دولار امريكي من الارصدة القائمة، وذلك لتقليل المخاطر على المستثمرين وفقا لتحليل صادر عن وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية بتاريخ 17 فبراير الجاري.
الى جانب ذلك يجب العمل على التحديث المستمر في الإطار التشريعي والرقابي بما يعزز الثقة لدى المستثمرين المسلمين الإقليمين وجذب شراكات استراتيجية مع المؤسسات المالية العالمية المهتمة بالتمويل الأخلاقي. كما يجب الإستمرار في تطوير سلاسل إنتاج الحلال خاصةً في جانب القطاع الزراعي ذو الميزة النسبية العالية للسودان بشقيه النباتي والحيواني، وقطاع الأغذية والتصنيع الغذائي حيث يعد قطاع الأغذية المحرك الأكبر للإقتصاد الحلال عالمياً ويقدر حجم سوقه بنحو2.7 تريليون دولار في عام 2025 مع توقعات بإرتفاعه الى نحو3.6 تريليون دولار بحلول عام 2030. لذلك يعد إعادة تطوير إنتاج وتصنيع قطاعات المنتجات الزراعية من الخضر والفاكهة والمنتجات الحيوانية من اللحوم والألبان والأجبان والزبادي والدواجن والبيض وإستهداف الصادرات منها بعلامة الحلال، يعد من ابرز التحديات والفرص الماثلة، بجانب إنشاء المسالخ والمجازر الحديثة المطابقة لمعاييرالحلال الدولية والدخول في سلاسل التوريد العالمية بالتعاون مع هيئات إعتماد معترف بها دوليا خاصة في مجال شهادات الحلال. ومع الإشادة بجهود الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس ومجلس السلع والخدمات الحلال السوداني كجهات مرجعية في هذا الخصوص وجهود المنتديات الرامية الى دعم وإسناد الفكرة كمنتدى مجلة حواس – مستقبل الاقتصاد السوداني منتجات الحلال وغيرها من مساعي وجهود الجهات الاخرى المقدرة، تظل الحاجة ملحة لإنشاء مؤسسات متخصصة تعكس توجهاً إستراتيجيا يعمل على تعزيز هذه المنظومة بما يتوافق مع الخطط الإستراتيجية للدولة عبرالوزارات المختلفة كوزارة الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية وحتى الثقافة والإعلام والجهات الاخرى ذات الصلة، لتطوير وجذب التمويل الإسلامي والشهادات والمعايير والمواصفات الحلال الدولية، كإنشاء شركة تطوير الحلال لتبنى على أسس إحترافية في مجالات الإدارة والتشغيل والتمويل والتسويق والترويج وبناء العلامة التجارية الحلال الخاصة بالمنتجات السودانية.
المثنى سعد الأقرع
باحث أول – الإدارة الإستراتيجية


