التضارب المؤسسي … عندما تقود الارتجالية الاقتصاد السوداني نحو الهاوية
بقلم مستشار:أحمد حسن الفادني
كان يعاني السودان قبل أن يتولى الدكتور كامل إدريس رئاسة الوزراء من مرض عضال يتمثل في غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وهشاشة هيكلية متجذرة تزامنت مع صراعات سياسية وأمنية مستعرة، غير أن ما شهده السودان حديثا يندرج تحت شكل أكثر تعقيد من أشكال ضعف صناعة القرار الاقتصادي تحت مسمى (التضارب المؤسسي) الذي بات سمة واضحة في سياسات الفترة الراهنة حيث تتصادم القرارات بدلا من أن تتكامل وتكون مرتجلة بدلا من أن تكون مدروسة، مما يرسم لوحة اقتصادية قاتمة على جدران بلد يعيش أزمة وجودية حقيقية.
غرف مغلقة تصنع كارثة مفتوحة:
في مشهد يعكس بوضوح مأساة التضارب المؤسسي قامت حكومة الامل !!! برئاسة الدكتور كامل إدريس عبر اللجنة الاقتصادية العليا بإصدار توجيه يقضي بحظر استيراد ما يزيد على 46 سلعة في قرار وصفت المصادر الرسمية أنه جاء (في إطار حماية اقتصاد السودان ومواجهة الضغوط على سعر الصرف) كنظرية اقتصادية سليمة في وضع اقتصادي قوي، فأتى القرار الذي وقعه رئيس الوزراء بنفسه قسم السلع المقيدة إلى كماليات وغير ضرورية مثل البسكويت والشوكولاتة والحاويات وحتى الفواكه والخضروات والأرز والأسمنت، وما إن أعلن القرار حتى خرجت أصوات أهل الاختصاص تحذر مما وصفته بـالعواقب الكارثية غير المدروسة، فوصف رئيس الغرفة القومية للمستوردين السودانيين القرار بأنه معيب ومؤذي للاقتصاد السوداني وغير مدروس، متوقعا أن يخلق ظروفا احتكارية لفئة قلة مختارة، و ايضا حذر تجار ومختصون من أن هذه السياسات ستؤدي إلى ازدهار التهريب عبر الحدود وحرمان الدولة من الإيرادات الجمركية وتضخيم حجم الاقتصاد غير الرسمي وإضعاف قدرة الدولة على الرقابة والتنظيم، أضف إلى ذلك تضارب مؤسسي مضاعف على صعيد المسار الموازي، إذ جاء القرار في وقت كانت فيه حكومة رئيس الوزراء قد وجهت أصلا باعفاء التجار من رسوم الزكاة والضرائب والمواصفات للأعوام 2023 و2024 و2025، الأمر الذي يجعلنا نقف أمام سؤال مصيري (هل تتجه السياسات الاقتصادية نحو حماية الإنتاج عبر الحظر، أم نحو تفكيك الإيرادات عبر الإعفاء؟) هذا التناقض هو جوهر المريض الذي نناشد بعلاجه في معظم مقالاتنا الاقتصادية عن غياب التنسيق المؤسسي وافتقاد رؤية متكاملة تجمع بين أطراف المعادلة كافة.
متى تكون الضريبة حقا للدولة ومتى تكون انتهاكا لحق الله؟
اللافت في المشهد أن هذه القرارات المتضاربة لم تمر دون ردود فعل من المؤسسات الدينية والشرعية فقد وجه رئيس دائرة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس شدد فيها على ضرورة التمييز بين الضرائب باعتبارها حقا للدولة والزكاة بوصفها حق شرعي لا يجوز إسقاطه بقرار إداري، وتأتي هذه الرسالة لتذكر بفارق جوهري غالبا ما يغيب في رؤية القائمين على الأمر، فالزكاة تشريع إلهي واجب ليس لأي سلطة وضعية حق إعفاء الناس منه تحت أي ذريعة، أما الضرائب والرسوم الأخرى فهي تشريع إنساني تصدره الدولة لحاجتها ولها الحق أن تعفي منه أو تلغي بعضه ضمن اختصاصها و لكن ما حدث عمليا هو العكس تماما إعفاء للزكاة (ما هو ليس من حق الدولة أصلا الإعفاء منه)، وقرارات حظر وحماية مالية (ما قد تكون في اختصاص الدولة إذا ما صدر في إطارها المتكامل). لكن الطامة الكبرى أن كلا القرارين إعفاء الزكاة وما يشبهه من تراخيص ضريبية من جهة وقرارات الحظر التي تكبل حركة الأسواق من جهة أخرى، صدرا بلا تنسيق حقيقي، مما يجعلنا أمام فوضى مؤسسية لا أداة للرقابة عليها ولا رادع لانحرافها.
أزمة المؤسسات…من البنك المركزي إلى الشارع:
هذا التضارب في الرؤية لم يقتصر على السياسات الاستيرادية والضريبية غير انه طال مؤسسات الدولة المصيرية، فبنك السودان المركزي يعيش في حالة اضطراب ممنهج، حيث شهد أحد عشر تغيير في قيادته خلال خمسة عشر عام التي مضت وهو معدل غير مسبوق لمؤسسة يفترض أن تقوم وظيفتها على الاستمرارية والحياد والاستقلالية و هذا التغيير المتسارع ينذر و يظهر هشاشة الهيكل الحكومي.
الفقدان الكبير… غياب التنسيق هو العدو الأكبر:
ليس غائبا عن أوساط المتابعين أن مشكلة السودان الاقتصادية لم تبدأ اليوم تعتبر هي مشكلة ممتدة عبر سنوات من سوء الإدارة وهشاشة بنيوية وعدم سيطرة على الموارد وإصلاحات غير مدروسة أدت إلى تعميق الأزمة بدلا من معالجتها، ولكن الجديد في فترة حكومة كامل إدريس أنها أضافت عنصرا جديدا للمعضلة وهي قرارات تصدر هنا وهناك كل منها يبدو مشروعا بمعزل عن الآخر لكنها عند التطبيق تتصادم تصادم عنيف وتلغي بعضها البعض، حظر الاستيراد لحماية العملة وإعفاء الضرائب والزكاة لتفعيل النشاط التجاري، التضخم يرتفع و السوق السوداء تزدهر والجنيه ينهار وغيرها من المؤشرات التي تفضح أن أذرع الدولة التركيبية تعمل كل في اتجاه يعاكس اتجاه الآخر.
إن فقدان التنسيق المؤسسي لا يقل خطورة عن فقدان الموارد، انما قد يكون أشد لأنه يعني أن الموارد المتاحة نفسها ستستنزف بطريقة غير منتجة.
بناء البديل وليس الاكتفاء بنقد الموجود:
أمام هذه الحالة من الارتباك الاقتصادي والسياسي والأمني التي تعيشها البلاد تبقى الحاجة ماسة إلى وقفة حاسمة تتجه نحو الإصلاح المؤسسي الجذري فالخبراء الاقتصاديون يقرون أن الخروج من الأزمة يبدأ بالشفافية وإعادة الاعتبار لاستقلالية البنك المركزي وضبط العلاقة بين السياسي والمهني وتحقيق التناغم بين السياسات المالية والنقدية.
كما يتطلب الواقع السوداني أن تمنح فكرة التنسيق المؤسسي ما تستحقه من أهمية قصوى سواء على صعيد وضع السياسات الاقتصادية الكبرى على مستوى تناول قضايا جوهرية مثل:
– إعادة النظر في قرارات الإعفاء الضريبي بالقدر الذي لا يمس جوهر الزكاة كركن إسلامي ثابت لأنها تمس شريعة ثابتة لا يجوز المساس بها تحت أي مبرر.
– عدم التعامل مع قرارات الحظر الاقتصادي بصورة ارتجالية دون إشراك المؤسسات المعنية كاتحادات التجار والمستوردين وغرف الصناعة والجهات الرقابية لتجنب ردود الفعل العكسية التي عادة ما تكون أكثر إيلام من الأزمة التي جاءت القرارات لعلاجها.
في النهاية تظل الحقيقة الثابتة أن الاقتصاد السوداني بحاجة ماسة وملحة إلى رؤية واحدة متسقة إلى غرفة قيادة موحدة وإلى مؤسسات تعمل بتناسق كامل لا إلى غرف مظلمة يصدرون منها قرارات تخمينية تضرب بعضها البعض تحت مسمى الحلول ، فالشعب السوداني الذي أنهكته الحروب والنزوح والفقر لا يتحمل المزيد من أخطاء فوضى السياسات وما الفرصة قادمة الآن إلا لنظام جديد يولي التنسيق المؤسسي ما يستحقه من أولوية تحسبا لكارثة أكبر ودمار أشمل قد لا يبقى بعده شيء ولا يحمد عقباه

