عراب الطب المعملي البروفسور منصور حسيب. مدينة “القطينة” الهادئة المطلة على النيل الأبيض، وُلد طفل في اليوم الأول من يناير عام 1910، لم تكن تستهويه الألعاب العادية، بل كان يمتلك شغفاً مبكراً بالاستكشاف والبحث.
اسمه: منصور علي حسيب.
ينحدر من أسرة علم ودين، فوالده الشيخ “علي حسيب” كان قاضياً معروفاً تعود أصوله لمدينة “بربر”. نشأ منصور في بيئة تقدر الكتاب والتعليم، لكنه لم يكتفِ بقراءة التاريخ، بل قرر أن يصنع تاريخاً جديداً للسودان في مجال كان مجهولاً وشبه معدوم آنذاك: “الطب المعملي وعلم الأحياء الدقيقة”.
آمن طوال حياته المليئة بالإنجازات بفلسفة علمية عميقة:
“الطب ليس مجرد سماعة طبيب ووصفة علاجية… بل هو معملٌ يفكك ألغاز الأوبـ.ـئة، وبحثٌ دقيق يحمي الأجيال قبل أن يهاجمها المـ.ـرض.”
رحلة المجهر (الدراسة والتكوين)
درس منصور في كلية “غردون” التذكارية بالخرطوم، ثم التحق بمدرسة “كتشنر” الطبية (التي أصبحت كلية الطب بجامعة الخرطوم لاحقاً)، وتخرج فيها بتفوق عام 1937.
لكن طموحه كان يعبر القارات؛ فلم يكتفِ بالطب العام، بل سافر إلى المملكة المتحدة وتخصص في “علم الأحياء الدقيقة والطفيليات” (Microbiology and Parasitology). هناك، أصبح من أوائل السودانيين الذين ينالون دبلوم علم الجراثيم من لندن عام 1943، ليعود إلى وطنه حاملاً سـ.ـلاح “العلم” لمواجهة الأمـ.ـراض الفتّاكة.
من المعمل إلى عمادة الطب (الإنجازات العلمية)
إذا كان الغرب يفتخر بعلمائه الرواد، فالسودان يفتخر بـ “البروفيسور منصور حسيب”.
يُلقب عالمياً بـ “عرّاب الطب المعملي في السودان”.
لم يكتفِ بالجلوس في العيادات المكيفة، بل نزل إلى المعامل المكتظة بالأنابيب والتجارب. اشترك مع الدكتور “هورغان” في تطوير تقنية لإنتاج لقـ.ـاح “الجـ.ـدري” محلياً وبكميات ضخمة، مما أنقذ ملايين السودانيين. كما قاد أبحاثاً رائدة في مكافحة أمـ.ـراض خطـ.ـيرة مثل السحايا، داء الكلب، والحمى الصفراء.
وتتويجاً لمسيرته الأكاديمية الفذة، أصبح أول عميد سوداني لكلية الطب بجامعة الخرطوم (1963 – 1969).
مفارقة عبقرية: “عمدة” أم درمان!
المدهش في سيرة هذا العالم “المجهري”، أنه كان يمتلك كاريزما إدارية واجتماعية طاغية وحضوراً مجتمعياً لافتاً، لدرجة أنه انتُخب عمدةً لمدينة أم درمان!
بصفته العمدة، وبثقافته الواسعة ولغته الإنجليزية الرصينة، استقبل الملكة “إليزابيث الثانية” عند زيارتها التاريخية للسودان عام 1965، كما تلقى دعوة رسمية من “ويلي براندت” لزيارة برلين الغربية. كان يجمع بين دقة “العالم” وحنكة “رجل الدولة”.
في بيته.. العالم الأنيق والمثقف الرياضي
خلف تلك الإنجازات الضخمة، كان يقف إنسان راقٍ ومتوازن. تزوج عام 1944 من السيدة فاطمة محمد أحمد البرير، وأسس أسرة ناجحة أنجبت خمسة أبناء وابنتين.
عُرف بشغفه بلعبة “التنس” التي كان يمارسها بانتظام للحفاظ على لياقته، وبحبه الشديد للقراءة والترجمة من الإنجليزية إلى العربية. كان رجلاً يوازن ببراعة بين المعمل، وإدارة شؤون الناس، وحياته الأسرية.
الرحيل بعد التكريم العالمي
في الرابع والعشرين من يناير 1973، وقفت منظمة الصحة العالمية (WHO) احتراماً لهذا الرجل، ومنحته جائزة وميدالية “شوشة” الرفيعة، تقديراً لإسهاماته العظيمة في الصحة العامة والأبحاث الطبية.
ولكن، بعد أشهر قليلة من هذا التكريم العالمي، وفي 29 سبتمبر 1973، توقف قلب “العمدة البروفيسور” فجأة في أم درمان، عن عمر ناهز 63 عاماً.
البروفيسور منصور علي حسيب…
الرجل الذي حمى أجساد السودانيين من الأوبـ.ـئة، وحمى عقولهم بالبحث العلمي.
عاش باحثاً، وحكم كـ “عمدة”، ورحل تاركاً وراءه مكتبة من الأبحاث، و”مجمع داخليات حسيب” بجامعة الخرطوم الذي سُمي تخليداً لذكراه. هو أسطورة علمية أثبتت أن العقل السوداني قادر على مناطحة السحاب إذا ما وجد الإرادة والعلم..
#قصص_صور_من_السودان

