الانفجار المصلحي: حين تتحول المصالح إلى فوضى عامة
د. الشاذلي عبداللطيف
في أوقات الأزمات، لا تختبر الدول فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على إدارة المصالح المتضاربة داخلها. وهنا تحديدًا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ”الانفجار المصلحي”—حالة من التصاعد غير المنضبط للصراعات حول النفوذ والموارد، حيث تتقدم المصالح الضيقة على حساب الاستقرار العام.
الاختلاف في المصالح أمر طبيعي في أي مجتمع. غير أن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى صراع مفتوح، خارج أطر القانون والمؤسسات. عندها، لا تعود المسألة نقاشًا حول السياسات أو الأداء، بل تصبح ساحة لتصفية الحسابات، تستخدم فيها كل الأدوات الممكنة—من الإعلام إلى الشائعات—بهدف تحقيق مكاسب سريعة.
غالبًا ما يرتبط هذا الانفجار بلحظات الضعف المؤسسي. حين تتراجع فعالية الرقابة، أو تتآكل الثقة في الهياكل الرسمية، تنشأ بيئة مواتية لتضخم المصالح الفردية والجماعية. في مثل هذه الظروف، يُعاد تعريف الصالح العام وفق ميزان القوة، لا وفق معايير العدالة أو الكفاءة.
الإعلام، بدوره، يقف عند مفترق طرق. يمكن أن يكون أداة للمساءلة وكشف الحقائق، لكنه قد يتحول أيضًا إلى منصة لتضخيم الصراعات، خاصة في ظل غياب المعايير المهنية. ومع تسارع تدفق المعلومات عبر وسائل التواصل، تتسع دائرة التأثير، ويصبح من السهل تضليل الرأي العام أو توجيهه.
الأكثر تعقيدًا أن الانفجار المصلحي كثيرًا ما يتخفى خلف شعارات نبيلة. تُرفع رايات الإصلاح، بينما تُدار المعارك لتحقيق مصالح خاصة. هذا التداخل بين الخطاب العام والدوافع الخفية يخلق حالة من الضبابية، تجعل التمييز بين النقد المشروع والصراع المصلحي أمرًا بالغ الصعوبة.
معالجة هذه الظاهرة لا تكون بإسكات الأصوات أو تقليص مساحة النقاش العام، بل بإعادة ضبط الإطار الذي تتحرك فيه المصالح. ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية، وتقوية المؤسسات، وترسيخ قواعد واضحة للمساءلة، إلى جانب تطوير بيئة إعلامية مهنية قادرة على التمييز بين الخبر والرأي.
في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يلغي المصالح، لكنها تحتاج دائمًا إلى تنظيم وضبط. فحين تُدار المصالح ضمن قواعد عادلة، تصبح قوة دافعة للتنمية. أما حين تنفلت، فإنها تتحول إلى عامل هدم، يقوض الاستقرار ويبدد الثقة في الدولة ومؤسساتها.

