شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
إرادة الصمود: الشهادة السودانية ترسم ملامح السيادة والتعافي الوطني
لم تكن دقات جرس امتحانات الشهادة الثانوية التي رنت في ربوع السودان وخارجه مجرد إعلان عن بدء اختبارات أكاديمية، بل كانت “نشيد عبور” جسور، وبرهنة عملية على أن الدولة السودانية، بمؤسساتها وإرادة شعبها، عصية على الانكسار. إن جلوس أكثر من نصف مليون طالب وطالبة في توقيت واحد، رغم تعقيدات النزوح وأوجاع الحرب، هو انتصار معنوي يوازي في قيمته استرداد المواقع والميدان.
إن هذا المشهد الذي تجسد في 3,333 مركزاً داخلياً وخارجياً، يعكس قدرة فائقة على التخطيط اللوجستي والأمني في ظروف استثنائية. ارتفاع أعداد الجالسين في ولاية الخرطوم من 30 ألفاً في العام الماضي إلى 156 ألفاً هذا العام، ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر قاطع على تنامي العودة الطوعية للمواطنين، واستعادة الثقة في أمن واستقرار المناطق التي طهرتها يد البذل والعطاء.
لقد تجلت في هذه الامتحانات “عبقرية التضامن السوداني”؛ حيث فتحت ولايات آمنة أبوابها لطلاب الولايات المتأثرة بالنزاع، متجاوزةً حدود الجغرافيا الضيقة إلى فضاء الوطن الكبير تحت شعار “التعليم لا ينتظر”. هذا التلاحم بين الحكومات الولائية، والقوات النظامية التي أمنت المسارات، والمعلمين الذين وصفوا بحق أنهم “حملة مشاعل الكرامة”، رسم لوحة من الانضباط والمسؤولية الوطنية التي فوتت الفرصة على المتربصين باستقرار البلاد.
علاوة على ذلك، فإن نجاح انعقاد الامتحانات في مراكز خارجية بدول مثل مصر، والسعودية، وقطر، وتركيا، وتشاد، يبعث برسالة قوية للمجتمع الدولي مفادها أن الدولة السودانية متمسكة بحقوق أبنائها في التعليم أينما وجدوا، وأن مؤسساتها التعليمية ما زالت تحتفظ رصانتها وقدرتها على الإدارة العابرة للحدود.
إننا أمام “معركة كرامة تعليمية” بامتياز، أثبتت فيها الأسرة السودانية وعياً استثنائياً بمرافقتها لأبنائها إلى قاعات الامتحان، مؤكدة أن الرهان على المستقبل يبدأ من حماية المسار الأكاديمي للأجيال. إن هذه الخطوة تمثل حجر الزاوية في مشروع إعادة بناء السودان؛ والدول لا تنهض إلا بالمعرفة، والتعليم الذي لم توقفه المدافع هو الضمانة الأكيدة لغدٍ يسوده الاستقرار والتنمية.
ختاماً، إن انسياب هذه الامتحانات بهذا التنظيم المحكم هو صفعة في وجه الفوضى، وبشارة خير بأن السودان قد دخل مرحلة التعافي الحقيقي، وأن قطار التعليم الذي انطلق لن يتوقف حتى يبلغ غاياته في بناء جيل قادر على قيادة مرحلة ما بعد الحرب بكفاءة واقتدار.

