ثلاث سنوات على حرب السودان: القطاع المصرفي بين الصدمة والتعافي وإعادة البناء
أسعد عبد الله جبارة
خبير في مجال الالتزام وحوكمة الشركات
في 15 أبريل 2023، دخل السودان مرحلة مفصلية مع اندلاع الحرب، والتي أتمّت اليوم عامها الثالث، مخلفةً آثارًا عميقة طالت مختلف القطاعات، وكان القطاع المصرفي من أكثرها تأثرًا بحكم ارتباطه المباشر بالبنية الاقتصادية والمالية للدولة، ما جعله يواجه تحولًا جذريًا في بيئة العمل المصرفي.
خلال الأسابيع الأولى، تعرضت فروع المصارف لأضرار كبيرة، شملت تعطّل الأنظمة التشغيلية، وانقطاع شبكات الربط المركزي، وخروج العديد من الفروع عن الخدمة. كما وثّقت تقارير متعددة حالات نهب وسرقة طالت فروع البنوك، شملت أموالًا ومعدات وأجهزة وخزائن وسجلات، إضافة إلى تدمير أجزاء من البنية التحتية، مما عمّق الأزمة التشغيلية والرقابية.
ورغم ذلك، برز الدور المحوري لبنك السودان المركزي في احتواء الصدمة، من خلال دعم الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وإصدار توجيهات تنظيمية ساعدت البنوك على التكّيف وإعادة ترتيب أولوياتها التشغيلية والرقابية.
كما لعبت البنوك السودانية دورًا مهمًا في مرحلة الصمود، عبر إعادة تشغيل الخدمات تدريجيًا وتطوير حلول بديلة لضمان استمرارية الأعمال رغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية وتشتت الفرق التشغيلية وصعوبة الوصول للأنظمة المركزية، مما أبرز أهمية المرونة التشغيلية وسرعة اتخاذ القرار.
كما برز الدور الحيوي لإدارات الالتزام، التي واجهت تحديات استثنائية في الحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات الامتثال. وقد أسهمت في تعزيز ثقة البنوك المراسلة وفتح قنوات جديدة عبر إبراز قوة منظومة الالتزام، إلى جانب إعادة ترتيب الأولويات للتركيز على المخاطر الجوهرية وتفعّيل الضوابط البديلة.
ومع دخول القطاع مرحلة التعافي، تتجه المؤسسات إلى إعادة بناء الأنظمة وتعزيز التحول الرقمي كضرورة فرضتها الأزمة، إلى جانب تطوير خطط استمرارية الأعمال وإعادة هيكلة الأطر الرقابية, كما تزداد أهمية الحوكمة وإدارة المخاطر كركائز أساسية لتعزيز المرونة المؤسسية وتجنب تكرار نقاط الضعف التي كشفتها الحرب.
ورغم قسوة التجربة، أثبت القطاع المصرفي أن قوته لا تُقاس فقط بأدائه في أوقات الاستقرار، بل بقدرته على الصمود وإعادة البناء في أحلك الظروف، ليظل السودان أمام فرصة حقيقية لبناء قطاع مصرفي أكثر مرونة وجاهزية واستدامة.

