السودان بين الإغاثة والتنمية (4): التحديات التي تهدد البدايات الصغيرة
أميمة عبد الله
بعد أن ختمنا ملف العودة الطوعية من جمهورية مصر العربية إلى السودان، عدت أنا أيضا لأرى نتائج هذا البرنامج الكبير والذي عملنا عليه لمدة تسعة أشهر متصلة بواقع تسير ثلاث قطارات في الأسبوع.
كانت رحلتي مليئة بالتساؤلات، ترى كيف حال الخرطوم بعد الحرب والخراب الممنهج الذي طالها بأيدي الجنجويد، وإلى أي مدى ساهمت العودة الطوعية في استرجاع الحياة؟ وهل مازال أهلها في حالة الصدمة والذهول؟ وهل عادت البيوت والشوارع والأسواق؟
بعد الحروب عادة تبدأ المدن في استعادة حياتها ببطء، تتعافى بخطوات وليس مباشرةً، تستعيد أنفاسها بصعوبة.
تفاصيل صغيرة، عادت الأعمال الصغيرة والدكاكين في الأحياء، والمصابيح أمام البيوت، ومعاودة الأفران لعملها وبيع الطعمية التي أحبها، وذلك أول شيء فعلته في صباح الخرطوم الأول لي، اشتريت عيشتين وطعمية، سيدة أمام صاج متوسط وفرن لبيع العيش ورجل على طبلية يبيع الخضار، مشاهد بسيطة، لكنها في الحقيقية إعلان هادئ بأن الحياة ما زالت تقاوم.
هذه البدايات رغم أهميتها، إلا أنها لم تستقر بعد، تتحرك على فضاء متقلب ووضع معقد للغاية تحيط به التحديات من كل جانب.
هشاشة البيئة الأمنية وغلاء المعيشة وصعوبة التنقل وعدم استقرار المواطنين بعد وتضارب في كثير من القرارات التي تخص المواطنين.
ورد خبر في صحيفة العودة الصادرة يوم الاثنين الموافق 27 أبريل أن السودان يحتل المرتبة الأولى في معدلات التضخم في العالم بنسبة مخيفة وذلك في تقرير جديد للبنك الدولي أن عدة دول أفريقية تشهد موجة تضخم في العام 2026م ومع عدم استقرار العملة تزداد الصورة تعقيداً، ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف النقل مع صعوبة تسعير المنتجات، كلها عوامل تضغط على المشاريع الصغيرة بالإضافة إلى الرسوم التي تفرضها المحليات والدولة، لكل هذا يصبح من الضرورة بمكان المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي لإبقاء هذه البدايات.
كما تظل صعوبة الإيفاء بشروط التمويل الأصغر أحد العوائق، المشاريع الصغيرة لا تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، لكنها تحتاج تمويلا صغيرا ومرنا ومنخفض المخاطر، غير أن أدوات التمويل التقليدية غالباً بطيئة ومعقدة وغير مناسبة لبيئات الحرب، مما يترك آلاف الأفكار دون فرصة حقيقية للانطلاق.
كما تحدثت في المقال السابق أن ضعف البنية التحتية للأعمال الصغيرة وعدم الاستقرار المؤسسي، تمثل عائقا آخر فالمشاريع الصغيرة لا تعيش في بيئة معزولة بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الخدمات والأسواق والنقل وشبكات التوريد، عندما تختل هذه المنظومة يصبح نجاح المشروع مسالة حظ أكثر من كونه نتيجة جهد.
لست متشائمة لكن أحاول أن أتشارك النقاش حول هذه التحديات لأنها ضرورية لبناء تداخلات واقعية، البدايات الصغيرة قادرة على صناعة فرق كبير إلا أنها تحتاج إلى حاضنة واستقرار مؤسسي نسبي وحماية من الدولة تداخلات مرتبطة تضمن استمرارها ونموها.
ولأن التعافي لا يحدث دفعةً واحدة، ولا يبدأ بالمشروعات الكبرى بقدر ما يبدأ بخطوات يومية بسيطة تعيد للناس قدرتها على الكسب والشعور بالاستقرار، إن حماية هذه المحاولات وتحويلها إلى مسار عام ليس مسؤولية فرد أو جهة بل هي مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
حين تُمنح هذه البدايات فرصة، فإنها لا تعيد تشغيل الاقتصاد فحسب، بل تعيد بناء الثقة في المستقبل، وتفتح الطريق نحو انتقال حقيقي من الإغاثة إلى التنمية.

