على مسؤوليتي
طارق شريف ساتي
الجبايات … وجع العودة
قضت الحرب على الأخضر واليابس وأفْقَرَت السودانيين بعد أن نهبت المليشيا بيوتهم ومتاجرهم وشركاتهم وبنوكهم، وزاد الطين بلةً توقّف الأعمال والوظائف وكثير من الأعمال التجارية.
الآن، بعد توقف الحرب في كثير من المدن، عاد الناس من نزوح طويل (أباطهم والنجم)، ورغم ذلك لم يتسرب إليهم اليأس بل كلهم عزيمة وأمل ويقين بواقع أفضل، وهم يرددون الأغنية الشهيرة (لو حتى نبدأ من الصفر.. الريدة لازم تستمر).
لم يعكر صفو هذه الأحلام المشروعة سوى الرسوم الباهظة والإتاوات التي تفرضها في وجهها المحليات بالولايات، خاصة في ولاية الخرطوم، التي بدلاً عن استقبال الناس بالزهور استقبلتهم بالإتاوات، وكل من أراد استئناف نشاطه التجاري تفاجأ برسوم عالية، وبدأت المحليات في الخرطوم بممارسة أسوأ عاداتها وجلد الناس بـ”كرباج” الرسوم.
هذا الوقت ليس وقت الجبايات، ومن الذكاء والحصافة أن تجعل الدولة الناس يعملون ويحققون الأرباح ثم تفرض الرسوم وفق اللوائح والقوانين، وليس خبط عشواء، ويمكن الاتفاق على فترة زمنية لإعفاء المصانع والمحال التجارية والمنازل من الرسوم حتى تستقر الأوضاع. وهنا تكون الدولة قد حققت ضربة معلم وشجعت الناس على العودة وجعلتهم شركاء في الإعمار. ويجب الأخذ بيد كل من يريد أن يستأنف عمله التجاري أو من يريد أن يبدأ مشروعاً جديداً بتوفير التمويل وجعل بيئة الاستثمار جاذبة.
في قطاع الأعمال الصغيرة يمكن توفير التمويل الأصغر، أما القطاع الصناعي فهو يحتاج إلى عناية خاصة، وأهم خطوة هي توفير الكهرباء في المناطق الصناعية ووقف الرسوم المتعددة التي أرهقت كاهل المصانع.
ميزة الصناعة أنها توفر آلاف الوظائف، والناس الآن في أمسّ الحاجة إلى التوظيف، ويمكن أن تشكل المصانع ملاذاً آمناً للذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب، فضلاً عن أن المصانع تسهم في تمزيق فاتورة الاستيراد وإيقاف تدهور انخفاض الجنيه السوداني، لأنها تقلل الطلب على العملات الحرة.
المعادلة الذكية هي جعل القطاع الصناعي وقطاع الأعمال شريكاً أساسياً في الإعمار والتنمية.. يجب على الحكومة أن تضع في اعتبارها أن إعادة الإعمار تتطلب سياسات اقتصادية جادة وشفافة، وأن تكون هناك رؤية واضحة لتنمية القطاع الصناعي والتجاري. كما يجب على الحكومة أن تعمل على تحسين بيئة الاستثمار وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية.
وفي هذا السياق، يجب على الحكومة أن تضع في اعتبارها أن القطاع الخاص هو شريك أساسي في عملية التنمية، وأن يكون هنالك تعاون بين الحكومة والقطاع الخاص لتحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة.

