الدور الأمريكي القذر في السودان
د. الصادق خلف الله
منذ فجر استقلال السودان في الأول من يناير 1956، ظلت العلاقة بين الخرطوم وواشنطن علاقة متقلبة، مليئة بالوعود الأمريكية الكبيرة، لكنها في كثير من الأحيان انتهت بخذلان السودان وتركه يواجه أزماته منفرداً. فعلى الرغم من أن السودان كان من أوائل الدول الأفريقية والعربية التي أقامت علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، إلا أن السياسة الأمريكية تجاه السودان اتسمت دائماً بالازدواجية وعدم الثبات، وربط المصالح الأمريكية الضيقة بمصير شعب كامل ودولة ذات أهمية استراتيجية في أفريقيا والعالم العربي.
بدأت العلاقات السودانية الأمريكية بصورة واعدة قبيل الاستقلال وبعده مباشرة، حيث نظرت واشنطن إلى السودان باعتباره دولة أفريقية عربية معتدلة يمكن أن تشكل نقطة توازن مهمة في المنطقة خلال فترة الحرب الباردة. وفي عهد الرئيس الفريق إبراهيم عبود شهدت العلاقات تطوراً ملحوظاً، خاصة بعد زيارة الرئيس عبود إلى الولايات المتحدة بصحبة وزير الخارجية أحمد خير ولقائه بالرئيس الأمريكي جون كينيدي، وهي الزيارة التي عكست آنذاك رغبة الطرفين في بناء شراكة سياسية وتنموية.
وخلال فترة الديمقراطية الأولى بقيت العلاقات مستقرة نسبياً، لكن التحول الأكبر جاء في عهد الرئيس جعفر نميري، الذي مثّل العصر الذهبي الحقيقي للعلاقات السودانية الأمريكية. فقد اقترب نميري من الرئيس المصري أنور السادات، ومع الانفتاح المصري على واشنطن بعد اتفاقية كامب ديفيد، أصبح السودان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في المنطقة. شهدت تلك الفترة زيارات متكررة للرئيس نميري إلى واشنطن، كما زار نائب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب السودان، وتم توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي وأمني وعسكري، وتحول السودان إلى شريك استراتيجي مهم للولايات المتحدة في أفريقيا والشرق الأوسط.
لكن هذا “العصر الذهبي” لم يستمر طويلاً. فمع وصول حكومة الصادق المهدي إلى الحكم دخلت العلاقات مرحلة من التذبذب بسبب الانقسام الداخلي وضعف القرار السياسي، إلى أن جاءت حكومة الإنقاذ عام 1989 لتبدأ واحدة من أسوأ مراحل العلاقات السودانية الأمريكية.
في بداية عهد الإنقاذ اتخذت الولايات المتحدة موقفاً عدائياً واضحاً تجاه السودان، خاصة بعد استضافة أسامة بن لادن في الخرطوم خلال التسعينيات واتهام السودان بدعم الإرهاب. فُرضت العقوبات الاقتصادية، وأُدرج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتم خنق الاقتصاد السوداني لعقود طويلة. ثم جاءت أحداث احتلال الكويت وبعدها أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتزيد الضغوط الأمريكية على السودان بصورة غير مسبوقة.
ومن أخطر المحطات في تاريخ العلاقة السودانية الأمريكية الدور الأمريكي في انفصال جنوب السودان، والذي لم يكن مجرد نتيجة للحرب الأهلية، بل جاء أيضاً نتيجة دعم سياسي ودبلوماسي وديني واسع داخل الولايات المتحدة، خاصة عبر مجلس الكنائس الأمريكي وشخصيات نافذة في الإدارات الأمريكية، أبرزها سوزان رايس، التي لعبت أدواراً مؤثرة كسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ثم كمستشارة للأمن القومي الأمريكي. فقد تبنت واشنطن منذ وقت مبكر رؤية تقوم عملياً على دفع الجنوب نحو الانفصال، مع التعامل معه ككيان شبه مستقل قبل إعلان الدولة الجديدة رسمياً. كما مارست ضغوطاً هائلة على الخرطوم عبر المؤسسات الدولية والمنظمات الغربية، وسط نشاط استخباراتي وسياسي مكثف ساهم في تكريس خيار الانفصال.
ولم تكن نتائج ذلك الانفصال في صالح السودان أو حتى الولايات المتحدة نفسها. فقد فتح الباب أمام مرحلة طويلة من التفكك والصراعات، وانتقلت حالة عدم الاستقرار إلى أجزاء أخرى من السودان، خاصة مع أزمة دارفور، الأمر الذي أضعف الدولة السودانية بصورة غير مسبوقة وأضر بالمصالح الأمريكية نفسها في القرن الأفريقي.
وفي ملف دارفور تحولت الولايات المتحدة من وسيط محتمل إلى طرف يمارس ضغوطاً سياسية وإعلامية هائلة، بينما تُرك السودان يواجه أزماته الداخلية وسط حصار اقتصادي خانق وتدخلات دولية معقدة.
ورغم ذلك، حاول السودان مراراً فتح صفحة جديدة مع واشنطن. وخلال رئاستي لمعهد HDI نظمنا عدداً من الزيارات المهمة لوفود من الكونغرس الأمريكي إلى السودان، من بينها زيارة عضو الكونغرس بيني تومسون رئيس لجنة الأمن الداخلي، وزيارة كارن باس رئيسة اللجنة الفرعية لأفريقيا آنذاك، إضافة إلى عضو الكونغرس دان كيلدي، وكذلك بيلي راكيس ممثلاً لتيار الحريات الدينية في الكونغرس الأمريكي. وقد اطلعت تلك الوفود مباشرة على الواقع السوداني، وأسهمت جزئياً في الدفع نحو رفع بعض العقوبات عام 2017 خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.
لكن حتى ذلك الانفتاح الأمريكي ظل ناقصاً ومشروطاً، إذ أبقت واشنطن السودان تحت الضغوط السياسية والاقتصادية، وتعاملت معه دائماً بعقلية الابتزاز لا الشراكة الحقيقية. ثم جاءت الثورة السودانية لتكشف مجدداً الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية، فلم تقدم واشنطن الدعم المطلوب لبناء الدولة السودانية الجديدة، ولم تساعد في إعادة بناء المؤسسات، ولم تضخ مساعدات اقتصادية حقيقية، بل استمرت في إدارة الملف السوداني بعقلية الضغط والمساومات السياسية.
أما اليوم، ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات مليشيا الدعم السريع، فقد بدا الموقف الأمريكي أكثر ارتباكاً وضعفاً من أي وقت مضى. تجاهلت الإدارات الأمريكية جذور الأزمة السودانية، وتعاملت مع الملف باعتباره قضية هامشية، وتم تعيين شخصيات أمريكية تفتقر إلى الفهم الحقيقي لتعقيدات السودان وأفريقيا، مما زاد الأزمة تعقيداً بدلاً من المساهمة في حلها.
وفي الوقت الذي تلقى فيه الدعم السريع دعماً إقليمياً وخارجياً واضحاً، وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج، دون رؤية حقيقية لإنهاء الحرب أو الحفاظ على وحدة السودان. وحتى مع دخول السودان في مسار الاتفاقيات الإبراهيمية، لم يستفد السودان بصورة حقيقية من الوعود الأمريكية المصاحبة لذلك المسار.
لقد أثبت التاريخ أن الولايات المتحدة تعاملت مع السودان دائماً بمنطق المصلحة المؤقتة، لا بمنطق الشراكة الاستراتيجية أو الأخلاق السياسية. دعمت السودان حين احتاجته في مواجهة خصومها، ثم تخلت عنه حين تغيرت أولوياتها. رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تجاهلت معاناة السودانيين الحقيقية عندما تعارضت مع مصالحها السياسية والاقتصادية.
فواشنطن لم تكن دائماً بعيدة عن جراح السودان، بل كانت في محطات كثيرة جزءاً من صناعتها وتعميقها. ويبقى السؤال: إلى متى يدفع السودان ثمن أخطاء الآخرين ومصالح القوى الكبرى؟

