من قاعة الشعب إلى معبد السماء… رسائل صينية عميقة في زيارة ترامب
أسامة مختار
في لحظة يمر فيها العالم بحالة متزايدة من التوتر وعدم اليقين، جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين لتستقطب اهتماماً دولياً واسعاً، ليس فقط لأنها أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ سنوات، بل لأنها حملت رسائل سياسية واقتصادية وثقافية عميقة تتجاوز حدود البلدين لتطال مستقبل الاستقرار العالمي بأسره .
الزيارة التي جاءت بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ شهدت سلسلة من اللقاءات والفعاليات الرسمية في بكين، كان أبرزها المحادثات التي جمعت الرئيسين في قاعة الشعب الكبرى، والتي انتهت إلى توافق مهم يتمثل في التوجه نحو (إقامة علاقة استراتيجية بناءة ومستقرة بين الصين والولايات المتحدة). وهو توصيف جديد يعكس رغبة الجانبين في الانتقال من مرحلة التوتر والمنافسة الحادة إلى مرحلة أكثر استقراراً تقوم على الحوار والتعاون وإدارة الخلافات بصورة عقلانية .
ولا يقتصر هذا التوجّه الجديد على رسم ملامح المسار الاستراتيجي للعلاقات الصينية الأمريكية خلال الأعوام المقبلة فحسب، بل يمتد ليؤسس لرؤية أوسع لمرحلة ما بعدها، ويسهم في توفير قدر أكبر من الاستقرار واليقين في عالم يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة. ولهذا رأى كثير من المراقبين أن لقاء بكين لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل محطة سياسية تحمل أبعاداً تاريخية في مسار العلاقات بين أكبر قوتين في العالم..
ويكتسب هذا اللقاء أهمية إضافية، إذ جاء بعد أشهر من لقاء الزعيمين في بوسان خلال أكتوبر الماضي، كما أنه يمثل أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ نحو تسع سنوات، في مشهد لافت يتجاور فيه (تسع سنوات) من زيارة ترامب الأولى إلى الصين مع (تسع ساعات) من اللقاء المكثف بين الزعيمين، ما منح الزيارة زخماً سياسياً وإعلامياً كبيراً، حيث أمضيا هذه الساعات في جلسات رسمية ومباحثات موسعة وتبادلات غير رسمية وهو ما عكس حرص الطرفين على تعميق التواصل المباشر وتعزيز الثقة المتبادلة. وقد عزز الجانبان خلال هذه اللقاءات التفاهم المشترك، ووسّعا مجالات التعاون العملي، بما يسهم في تعزيز مصالح ورفاهية الشعبين.
وتحمل هذه الصيغة الجديدة دلالات مهمة، فالعالم اليوم لم يعد يحتمل صداماً مفتوحاً بين أكبر قوتين اقتصاديتين وسياسيتين. أي توتر بين بكين وواشنطن ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى على الاستقرار السياسي في مناطق مختلفة من العالم. ولهذا بدا واضحاً أن الجانبين يسعيان إلى بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة بدلاً من عقلية (المحصلة الصفرية) التي ترى أن مكسب طرف يعني خسارة الطرف الآخر .
وباعتبارها أهم علاقة ثنائية في العالم اليوم، فإن العلاقات الصينية الأمريكية لا تتعلق فقط بمصالح أكثر من 1.7 مليار نسمة في البلدين، بل تمتد آثارها إلى حياة أكثر من ثمانية مليارات إنسان حول العالم. ولذلك فإن أي تقارب أو تفاهم بين الطرفين يبعث برسائل طمأنينة إلى الأسواق الدولية وإلى الدول التي تراقب بقلق مسار العلاقات بين القوتين الكبريين.
اللافت في هذه الزيارة أيضاً أنها لم تقتصر على السياسة فقط، بل رافق ترامب وفد كبير من كبار رجال الأعمال الأمريكيين، في إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد لا يزال يمثل الجسر الأقوى بين البلدين. فقد التقى الرئيس الصيني بعدد من قادة الشركات الأمريكية الكبرى الذين أكدوا أهمية السوق الصينية بالنسبة لهم، وأعربوا عن رغبتهم في توسيع التعاون والاستثمار داخل الصين.
ومن بين الشخصيات البارزة التي شاركت في الزيارة إيلون ماسك، وتيم كوك، وجينسن هوانغ، الذين تحدثوا بإيجابية عن فرص التعاون بين البلدين، وأكدوا ثقتهم في الاقتصاد الصيني وآفاقه المستقبلية. وقد أشار عدد منهم إلى أن الصين أصبحت لاعباً أساسياً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الصناعة العالمية، وأن التعاون معها يحقق فوائد متبادلة للطرفين.
ومن الواضح أن بكين أرادت أن تبعث برسالة مفادها أن أبوابها ستظل مفتوحة أمام العالم، وأنها ماضية في سياسة الانفتاح وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار. كما أرادت التأكيد أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة ليست مجرد تبادل تجاري، بل علاقة مترابطة وعميقة تؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
وفي الجانب السياسي، ناقش الرئيسان عدداً من القضايا الدولية والإقليمية المهمة، من بينها الأوضاع في الشرق الأوسط، والأزمة الأوكرانية، والتطورات في شبه الجزيرة الكورية. وشددت الصين خلال اللقاءات على أهمية الحوار والتفاوض في معالجة الأزمات الدولية، مؤكدة أن الحلول السياسية تبقى الطريق .الأمثل لتجنب مزيد من التصعيد والصراعات التي تلقي بظلالها السلبية على الاقتصاد العالمي والتنمية الدولية.
كما اتفق الجانبان على دعم كل منهما للفعاليات الدولية الكبرى التي يستضيفها الطرف الآخر، بما في ذلك التعاون في إطار منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك) وقمة مجموعة العشرين، و الملف الإيراني ،هو ما يعكس رغبة مشتركة في الحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق في القضايا الدولية الكبرى.
لكن الجانب الأكثر رمزية في الزيارة ربما كان اختيار معبد السماء ضمن برنامج الرئيس الأمريكي. ففي الزيارات السابقة للرؤساء الأمريكيين إلى المدينة المحرمة ظهرت رمزية الدولة الصينية وقوة النظام والإدارة عبر التاريخ، أما هذه المرة فإن اختيار معبد السماء يحمل بعداً حضارياً وثقافياً أعمق، يرتبط بفلسفة الانسجام والتوازن والسلام بين الإنسان والطبيعة. وكأن الصين أرادت أن تقول للعالم إن قوتها لا تقوم فقط على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل أيضاً على حضارة ضاربة الجذور ورؤية تقوم على التوازن والاستقرار.
ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه الصين لانطلاق خطتها الخمسية الخامسة عشرة، بينما تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لاستقلالها، وهي لحظة رمزية لكلا البلدين، تجعل من هذا التوجه الجديد في العلاقات فرصة لبناء مرحلة مختلفة وأكثر استقراراً.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي أرادت الصين إيصالها من خلال هذه الزيارة هي أن العالم بحاجة اليوم إلى التعاون أكثر من الصراع، وإلى الشراكة أكثر من المواجهة. فحين تتفاهم واشنطن وبكين، ينعكس ذلك إيجابياً على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والاستقرار السياسي، وحتى على مستقبل التكنولوجيا والتنمية.
لقد عززت اللقاءات بين الرئيسين التفاهم المتبادل ودفعت باتجاه مزيد من التواصل والثقة، كما بعثت قدراً من الطمأنينة في عالم يواجه تحديات متزايدة. وربما لهذا السبب ينظر كثيرون إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة مهمة نحو مرحلة جديدة من العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، مرحلة قد لا تلغي الخلافات بالكامل، لكنها تسعى إلى إدارتها بحكمة وتوازن بما يخدم مصالح الشعبين والعالم بأسره .
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار العلاقات بين الصين والولايات المتحدة لا يعني البلدين وحدهما، بل يعني استقرار العالم كله. وسيبرهن الزمن أن تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية واستعادة الولايات المتحدة لمكانتها القوية يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، بما يعزز مصالح الطرفين ويعود بفوائد إيجابية على العالم بأسره
أسامة مختار
مجموعة الصين للإعلام


