سعر الصرف خبرٌ لمبتدأ
أ. عثمان أدم
لعل من معاني الاقتصاد، تلك العبارة الشهيرة، من أقوال ليونيل روبنز( الاقتصاد هو علم الندرة والاختيار).
لا ريب في أن الاختيار لا يكون إلا بين بدائل أهدافها متعارضة. وطالما أنه مقروناً بالندرة، فهو بالضرورة محنة بأكثر مما هو منحة، مما يتطلب الحكمة والفراسة لاتخاذ القرار الرشيد Rational Decision. وفي ذات المنحى، تتجه النظرية الكمية للنقود (وعرابها إيرفنج فيشر)، اذ تُعبر في مضمونها عن متغيرات، تمثل في حقيقتها بدائل للإختيار، وذلك لتحقيق التوازن المطلوب بين كفتي المعادلة.
MV= PT
كمية النقود =M
سرعة دوران النقود. =V
مستوى الأسعار =P
حجم السلع و الخدمات =T
طالما أنه إختيار في ظل ندرة، فهذا يعني بداهة عدم وجود هامش للإختيار، وترف المحاولة والتجريب، مما يقتضي إحسان الاختيار ابتداءً، وتحقيق الهدف (ضربة لازِّب).
إذا كان الأمر كذلك وهو حقاً كذلك، فكيف يتم الاختيار؟ إن الاختيار السديد قد نطقت به – وقبل علم هؤلاء العلماء، حكمة الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، – ولا عجب في ذلك – فهو( باب مدينة العلم) وبشهادة غير مجروحة. لقد ضمَن هذا الاختيار في رسالته الشهيرة لأحد ولاته، وهو مالك بن الأشتر( ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في الخراج ). والخراج هو الضرائب والرسوم التي تُعّيق الإنتاج.
إن عمارة الأرض والتي تعني إصطلاحاً ( التنمية المستدامة ) نمو الناتج المحلي الإجمالي، G.D.P، أو T ، هي الهدف الإستراتيجي للاقتصاد. يرى معظم خبراء الاقتصاد أن التضخم من أشد العِلل فتكاً بالاقتصاد، اذ يضيف إلى سوءته، تدهور سعر الصرف. إن التضخم حقا من أعّتى أدواء الاقتصاد، مما يستوجب منحه الاولوية في المعالجة، اذ هو ضريبة باهظة وغير مستحقة على محدودي الدخل. وكذلك يعتقد معظمهم أن ( التضخم ظاهرة نقودية )، يمكن علاجها عبر تقليص حجم الكتلة النقدية. ان هذه العبارة – وإن كانت صحيحة – فهي ليست كل ما يقال، وليست هي بالقول الفصل. لاشك في انه علاج سهل، سريع، و فعال لألم موضعي، فإن تطاولت المعالجة أضرت بالجسد. حسب قانون العرض والطلب، فإن زيادة العرض تؤدي بصورة مباشرة إلى انخفاض السعر، وذلك لأن العلاقة بين (العرض، الطلب، والسعر)علاقة عضوية لا انفصام لها، وتعمل تلقائياً وفقاً لألية السوق البحتة، ودون حاجة إلى اي تدخل أو توجيه، فهي علاقة مستدامة وطبيعية ( الطبع يغلب التطبع). لا ريب في أن زيادة العرض تمثل حل أمثل، متعدي، و مستدام (لابدّ مما ليس منه بد).
لا شك في أن نمو الناتج المحلي الإجمالي هو الهدف الإستراتيجي للاقتصاد. إن تحقيق هذا الهدف يؤدي تلقائياً إلى تحقيق الأهداف الأخرى (كل الصيد في جوف الفُرا). إستناداً إلى ذلك، فهو الهدف القائد Leading والمستقل Independent، بينما الأهداف الأخرى، تابعة Lagging وغير مستقلة Dependent.
إن نمو الناتج المحلي الإجمالي يؤدي إلى ( زيادة العرض، إحلال الواردات، زيادة الصادرات، فائض في الميزان التجاري، زيادة إحتياطيات النقد الأجنبي، زيادة الإيرادات الحكومية). و يؤدي ذلك في المنتهى إلى إنخفاض التضخم ليصبح في حدود النسبة المعيارية (رقم واحد) و تعزيز وإستقرار سعر الصرف). و نتيجة لذلك تتحسن كل مؤشرات الإقتصاد الكلي، فيتحقق الاستقرار النقدي والمالي، فتصبح البيئة الاقتصادية جاذبة للاستثمار المحلي، الأجنبي، و التسهيلات الخارجية، وينعكس ذلك بدوره على استدامة نمو الناتج المحلي، والذي هو أُس التنمية المستدامة والرفاه الاجتماعي.
من المعلوم أن السياسة النقدية الإنكماشية Tight Credit Policy تؤدي إلى تخفيض معدل التضخم، ومن ثم تحسين سعر الصرف، وذلك حين تجد الدعم والمساندة من السياسات الإقتصادية الاخرى (السياسة المالية، السياسة التجارية، وسياسة الاستثمار…..الخ) وبحيث لا يتأثر نمو الإقتصاد. أما إذا لم تجد المساندة المطلوبة، فسيرتفع التضخم مجدداً، وذلك بسبب انخفاض العرض ( النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله). وقد رأينا كيف ابتلع التضخم العملات المعدنية، وشرع في إلتهام الفئات الدُنيا من العملة الورقية، مما حتم طباعة فئات اعلى.
إن نمو الاقتصاد، يغذي المؤشرات الأخرى، ويلِم شعثها، فيُسَلِس قيادتها، فيتحول التعارض إلى توازن عند الوسط، فينشأ مركز ثقل عالي المقاومة ضد المخاطر، ومساند للاستقرار النقدي والمالي.
مما تقدم يتضح بجلاء أن نمو الاقتصاد هو الحل لكل أدواء الاقتصاد، و بما في ذلك تعزيز واستقرار سعر الصرف. أما الحلول الجزئية لمعالجة مشكلة سعر الصرف، فهي بطبيعتها إسعافية وقصيرة المدى. وقد يكون لا بد منها حسب مقتضى الحال، ولكنها لن تدوم طويلاًَ، (فالزبد يذهب جُفاء).
إن النمو الاقتصادي هدف إستراتيجي ومتعدي، وليس من الحكمة التضحية به تحت أي ظرف. فهو ما يمنح المؤشرات الكلية التوازن والمناعة، فينهض الاقتصاد بكُلياته دونما خوالف، ويرتقِي بثبات بعد أن تجاوز جاذبية المخاطر. وحَرِيٌ به عندئذ أن يؤتي اكُله كل حين. وفي هذا السياق أرى أن تضع السياسة النقدية والتمويلية نمو الاقتصاد في مقدمة أولوياتها. وقد رأينا كيف انتهج الإحتياطي الفيدرالي، إبان الأزمة المالية الأخيرة، سياسة نقدية توسعية (قروض حسنة)، بل ذهب في الاتجاه المعاكس ليمنع البنوك وشركات القطاع الخاص من الانهيار، ولم يتركها نهباً لألية السوق. ونشير في هذا الخصوص، إلى أن كثيرا من الدول لم تستنكف من تمويل التنمية حتى بالعجز، فالتمويل التنموي بطبيعته أقل تضخماً. أما في السودان، فيبدو أن الوضع أفضل، فالنشاط السائد زراعي، و يتمتع بتكلفة أقل، ودورة إنتاج قصيرة.
إن الحقيقة الناصعة، أن ضُعف نمو الاقتصاد هو المرض الحقيقي، بينما ضُعف المؤشرات الأخرى، أعراض لهذا المرض، وبزوال المرض، تزول أعراضه الجانبية. لعل إغفال نمو الإقتصاد، و التركيز على إصلاح بعض مؤشراته الفرعية (التضخم وسعر الصرف)، قد يماثل (الإمساك بالسرج دون الحصان) و لربما يسقط السرج و يهرب الحصان. وقد يكون في ذلك استدعاء لمثلٍ ينضح بالحكمة (لن يستقيم الظِل و العود اعوج).
خلاصة القول، لقد أدى تراكم التداعيات السالبة للحظر الاقتصادي والمصرفي، إلى إضعاف مؤشرات الاقتصاد الكلي. أما الحرب فقد كانت ثالثة الأثافي، حتى كاد أن يتسع الفتق على الراتق. لقد بذل البنك المركزي كل ما في وسعه، وحمل أحمالًا فوق أحماله، بل وإحتماله، وذلك لإدراكه العميق بأن الوضع الاستثنائي يفرض الاستثناء (وجهد المُقِل لا يُلام عليه). ومع كل ذلك، وفوق كل ذلك، ينبغي على البنك المركزي إيجاد حلول إسعافية عاجله لتدارك الوضع المأزوم لسعر الصرف والتضخم، وذلك لتخفيف اعباء المعيشة، فقد ( كادت السكين ان تبلغ العظم)، (وما لا يدرك جُله لا يترك كُله). ولعل في حصائل صادر الذهب متسع لتوفير الاحتياجات الضرورية، ودعم احتياطي النقد الاجنبي. وكذلك، أهمية السعي للحصول على ودائع بالنقد الاجنبي، وإصدار صكوك ذهبية، وبضمان إحتياطي الذهب لدى البنك المركزي، فالمصالح لا توصد دونها كل الابواب.
لقد بات واضحاً ان الاقتصاد كان ولا يزال يعاني من إختلالات هيكلية، عميقة ومزمنة. وجاءت الحرب، فأزاحت السِتر عن سلبية هذه الإختلالات. لقد تجلت هذه السلبية، وبصفه عامة في تدهور مؤشرات الإقتصاد الكلي، وبصفه خاصة في بروز بعض الظواهر والمظاهر السالبة، ولعل من اهمها الاتي:-
– تضخم وهيمنة الإقتصاد غير الرسمي مما يستوجب السعي الجاد لإدماجه في الاقتصاد (طوعاً او كرهاً) وربما عبر إستراتيجية وطنية للشمول المالي.
– حاكميه السوق الموازي للعملة (وهو جزء من الاقتصاد غير الرسمي). لقد اصبح هذا السوق يمثل مرجعية اساسية لتحديد السعر الرسمي والمبادلات التجارية. و يكفي انه عشوائي وغير منضبط ليستدعي النظر في نظام سعر الصرف.
– مِن الظواهر التي تستحق النظر والدراسة (إحتفاظ بعض السودانيين بودائعهم لدى البنوك الخارجية، حِفظ بعض الجمهور للنقد الاجنبي بالخزائن المستأجرة من البنوك، بدلاً عن فتح حسابات مصرفية، كما أن حركة العملة الجديدة بعد الإستبدال، قد كادت أن تصبح في إتجاه واحد. ولا شك أنهم يعلمون (خيركم، خيركم لأهله ).
– إرتفاع معدل التكلفة إلى تخّوم الخسارة، وبالتزامن مع إنخفاض القيمة الحقيقية للمرتبات و الأجور إلى ما دون حد الكفاية. فلا تدري من الظالم ومن المظلوم، و كيف يُرفع الظلم، و هذا مأزق يستحق التدبر. ونشير الى ان هذه الظاهرة قد استشرت حتى في بعض البنوك، وذلك بالرغم من ان البنوك وبطبيعتها تملك رافعة تشغيليه عالية High Operational Leverage مما يسمها بأنها مؤسسات رابحة.
– إضمحلال مرونه الصادرات والواردات، وبطء استجابتها لانخفاض قيمه العملة الوطنية، وضعف تاثيرها في تحسين الميزان التجاري. إن هذه الظاهرة والتي تنطوي على مفارقة واضحة، تبين ان آليه السوق، وهي المحرك الرئيسي لسياسة التحرير، قد اصابها عطب، يستوجب الاصلاح.
-التدهور المؤسسي وضعف الحوكمة، وذلك نتيجة، (لكثرة الزعازع وقلة الاوتاد)، وخير دليل على ذلك تهريب الذهب وفقدان حصائل الصادر. لقد كان الذهب ولا يزال هو المرتجى ( ليوم كريهةٍ وسداد ثغر).
– تدهور القطاع المصرفي بسبب الحرب، وهو اكبر واهم قطاع في الاقتصاد، مما يستوجب إخضاعه إلى برنامج إصلاح مؤسسي ناجز، يقوده كل اصحاب المصلحة، و في طليعتهم المالكون (ما حك جلدك مثل ظفرك).
– محدودية اندماج القطاع الخاص، والقطاع المصرفي في السوق العالمية نتيجه للحظر الإقتصادي والمصرفي كسبب عام. اما السبب الخاص، فيتمثل في ضعف رأس المال فاجتمعت بذلك مخاطر الملاءه المالية مع المخاطر القُطرية. ولذا لم يستطيعا استقطاب موارد خارجية، فيزداد الاقتصاد كيل بعير، ولعل هذا بعض ما يفسر تصنيف السودان المتاخر حسب معياري، الودائع المصرفية، والاصول المصرفية، الى الناتج المحلي الاجمالي G.D.P ولا شك في أن شُح الموارد يعتبر من اكبر محددات النمو الاقتصادي.
اخيراً/ لا ريب في ان الاقتصاد كائن حي، فإن صحت المقاربة، فهو مثل الشجرة. اذا كان اصلها ثابت، إخضوضرت فروعها، فأثمرت. اما اذا لم يكن ثابتاً، ذبلت فروعها، تساقط النوّار، فشحت الثمار. إن الأصل هو المبتدأ( مبتدأ النشأة) اذ هو اول ما ينمو( يحيا)، فتنمو تبعاً لذلك الفروع، واول ما يخبو( يموت) فتذبل الفروع. وهذا يعني انه قائد -اوليس المبتدأ قائد- Leading بينما الفروع تابعه Lagging. ومن وحي هذه المقاربة، فإن مؤشر نمو الاقتصاد يمثل الأصل، بينما المؤشرات الاخرى تمثل الفروع. إستناداً الى ذلك، يمكن القول، ان نمو الاقتصاد هو المبتدأ، سيان إن كان مقدماً او مؤخراً -فالمبتدأ يظل هو المبتدأ- بينما المؤشرات الاخرى وبما في ذلك سعر الصرف هي الخبر. والمبتدأ وبلسان حاله هو ولا غيره من ( يحدث عن اخباره).
لا مِراء في أن الوضع الاقتصادي الماثل، يتطلب إصلاح مؤسسي، وربما نماذج جديدة New Models ، وهذه مسؤولية كل أصحاب المصلحة Stakeholders بما فيهم القطاع الخاص، وليس من الحكمة أن يظل البنك المركزي (كالسيف وحده). كذلك نرى أهمية تأسيس مجلس للسياسات ، وذلك لضمان الإتساق و الإنسجام ، فربما تكون بعض الأهداف متعارضه، (لن يبلغ البنيان يوم تمامه، أذا كنت تبنيه و غيرك يهدم).
-ولعل من تمام الحديث، ضرورة تأسيس مجلس للشركات ، تكون أُوَلى مهامه تصنيف الشركات، بحيث يتم التعامل معها على بيِّنة من الأمر. من الواضح للعيان، أن الإقتصاد يحتشد بعدد ضخم من الشركات الخاصة، صغيرة الحجم، قياساً بعدد شركات المساهمة العامة، مما انعكس سلباً على نشاط سوق الأوراق المالية هذا إن لم يكن قد أوهن مخرجات التحرير.
وفي ذات الخصوص، لي زَعمُ اوجزه في مقولتين:
* ينبغي ان تخدم السياسة الإقتصاد، ليخدم الإقتصاد السياسة، والا فَسَدا معاً.
* خَوّر الإقتصاد من خطل السياسات.
وعلى الله قصد السبيل.
عثمان ادم حامد
خبير مصرفي

