عبدالله بن حمد العطية… التواضع وهمة رجل الدولة الذي صنع وهج لقطر في عالم الطاقة
عواطف عبد اللطيف
فقدت دولة قطر، ومعها قطاع الطاقة العالمي، واحدًا من أبرز رجالاتها الذين أسهموا في صناعة نهضتها الحديثة، برحيل رجل الدولة عبدالله بن حمد العطية، أحد أهم العقول الاستراتيجية التي قادت مسيرة التحول الكبرى في قطاع الطاقة القطري، ورسخت مكانة الدولة كقوة عالمية في صناعة الغاز الطبيعي المسال.
ويُعد عبدالله بن حمد العطية من الشخصيات المحورية التي لعبت دورًا بارزًا في بناء قطاع الطاقة والصناعة الحديث حيث ارتبط اسمه بالمراحل المفصلية التي شهدت انطلاقة المشاريع الكبرى للغاز والطاقة، والتي نقلت قطر إلى مصاف الدول الأكثر تأثيرًا في أسواق الطاقة العالمية.
وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، قاد العطية ملفات الطاقة بثقة واقتدار، وتمكن عبر رؤيته الاستراتيجية وخبرته الواسعة من الإسهام في تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت قطر واحدة من أكبر الدول المصدرة له في العالم. كما مثّل الدولة في المحافل الدولية والمؤتمرات والمنظمات المتخصصة بالطاقة، وكان صوتًا حاضرًا ومؤثرًا في القضايا الاقتصادية والاستراتيجية المتعلقة بالطاقة العالمية.
وفي نوفمبر 2015، أسس “مؤسسة عبدالله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة”، وهي مؤسسة مستقلة تُعنى بقضايا الطاقة والتنمية المستدامة وتعزيز الحوار الدولي حول الاقتصاد والطاقة، في امتداد طبيعي لمسيرته الفكرية والمهنية وإيمانه بأهمية التنمية المستدامة والشراكات الدولية.
وعُرف العطية بأسلوبه العملي وقدرته الكبيرة على التفاوض وبناء العلاقات الدولية، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه الخليجية المؤثرة في قطاع الطاقة العالمي، جامعًا بين الحزم في اتخاذ القرار والهدوء في إدارة الملفات الكبرى.
وبرغم مكانته الرفيعة ومسؤولياته الثقيلة، ظل قريبًا من الناس، متواضعًا في حضوره، بسيطًا في تعامله، وإنسانيًا في تفاصيله اليومية. فكثيرًا ما كان يُشاهد وهو يمارس رياضة المشي على كورنيش الدوحة أو في المسارات البحرية بمدينة اللؤلؤة، يبادل المارة التحية والابتسامة بروح ودودة وأريحية لافتة.
كان رجلًا لا يشبه إلا نفسه وهذه الدولة التي تصنع الكبار … صلبًا في المواقف، ثابتًا في المسؤولية، ومخلصًا لوطنه حتى آخر العمر. واجه المرض بصبر المؤمن وعزيمة الرجال، كما واجه طوال حياته تحديات العمل الوطني بإرادة القادة الكبار.
وقد التقيناه عن قرب أنا وصديقتي الإعلامية الدكتورة بخيتة أمين، خلال مشاركتها كضيفة شرف في منتدى الصحافة الخليجية بالدوحة، حيث منحنا جزءًا من وقته الثمين، مستعيدًا بعض محطاته وعلاقاته مع شخصيات سودانية قيادية، في لقاء كشف جانبًا من تواضعه وإنسانيته الرفيعة.
كما أتيحت لي فرصة لقائه مرة أخرى عندما كنت أوثق سيرة وزيرة التعليم الأسبق طيبة الذكر شيخة المحمود، كأول امرأة خليجية تتولى حقيبة التعليم وتضع بصمتها في مسيرة تطويره. وقد رغبت حينها أن يحمل الغلاف الأخير من الكتاب شهادة من شخصيات وطنية بارزة عملت معها عن قرب على طاولة مجلس الوزراء.
وحين طلبت موعدًا، استقبلني في مكتبه بكل تواضع وترحاب، مؤيدًا فكرة كتاب:
“شيخة المحمود… امرأة عانقت الشمس”.
وقال عنها:
“أعتقد شخصيًا أن شيخة المحمود من أنجح نساء قطر، وقد تركت بصمات واضحة في مجالات التربية والتعليم، فهي إدارية وتربوية من الطراز الأول، وقد استمتعت كثيرًا بالعمل معها والتفاعل مع رؤيتها وأفكارها الواضحة”.
رحم الله شيخة المحمود، و عبدالله بن حمد العطية، الذي غادر دنيانا في مدينة لندن يوم الأربعاء 27 مايو 2026م، تاركًا خلفه إرثًا وطنيًا كبيرًا، وتجربة استثنائية للهمة العالية ستظل حاضرة في ذاكرة الأجيال، بما حملته من إخلاص وكفاءة ورؤية بعيدة المدى.
وقد كان رفيقا مخلصا لسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية، فكان نعم الرفيق ونعم السند، ونموذجًا نادرًا لرجل الدولة الوفي الذي اقترن اسمه بمسيرة بناء وطن مزدهر يشار له بالبنان العزاء لاسرته واهل بيته ومعارفه ولقطر كعبة المضيوم والنور الوهاج برجالها ونسائها .
عواطف عبداللطيف
Awatifderar1@gmail.com

