وزير الإعلام بين ضرورات إدارة الأزمة
ومتطلبات بناء المؤسسات
بقلم: حسن أبوعرفات من الدوحة
الزميل خالد الإعيسر لم ألتقه في حياتي، ولم تربطني به أي علاقة شخصية أو مهنية، ولذلك فإن ما أكتبه هنا لا يندرج في إطار الدفاع عن شخص أو مهاجمة آخر، وإنما محاولة لقراءة أداء وزارة الإعلام والثقافة والسياحة في سياق الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان.
من الصعب تقييم أداء أي وزير بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعمل فيها، والأصعب من ذلك تقييم أداء وزير يتولى حقيبة تضم ثلاثة قطاعات رئيسية هي الإعلام والثقافة والسياحة والتراث، في وقت تواجه فيه البلاد حرباً وتحديات داخلية وخارجية معقدة أثرت على مؤسسات الدولة وقدراتها المالية والإدارية.
ادوار تتجاوز المهام التقليدية
في مثل هذه الظروف، يصبح وزير الإعلام مطالباً بأدوار تتجاوز المهام التقليدية للوزارة. فهو لا يدير مؤسسات إعلامية فحسب، بل يجد نفسه في مواجهة معركة تتعلق بالصورة الذهنية للدولة، وإدارة تدفق المعلومات، والتعامل مع حملات التضليل الإعلامي، وتقديم رواية رسمية للأحداث، وفي الوقت نفسه المحافظة على مستويات مقبولة من المهنية والمصداقية لكسب ثقة الجمهور.
وخلال الفترة الماضية، يمكن ملاحظة أن الوزير خالد الإعيسر اختار نهج الظهور الإعلامي المتكرر والتفاعل المباشر مع القضايا العامة، وهو نهج قد يحقق بعض المكاسب في أوقات الأزمات من حيث سرعة الاستجابة وإيصال الرسائل الرسمية، لكنه يظل بحاجة إلى أن يترجم إلى عمل مؤسسي مستدام لا يعتمد على النشاط الشخصي للمسؤول وحده، وإنما على مؤسسات قادرة على الاستمرار بغض النظر عن الأشخاص.
المطلوب إصلاحات اعمق
وفي هذا السياق، يرى مؤيدو أداء الوزارة أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب فرضت أولويات مختلفة، جعلت التركيز ينصب على إدارة الأزمة الإعلامية والتعامل مع التحديات اليومية المتسارعة. وفي المقابل، يرى بعض المنتقدين أن الحضور الإعلامي المكثف لم يواكبه بالقدر الكافي تطوير مؤسسي ملموس داخل أجهزة الإعلام الرسمية، وأن الحاجة ما تزال قائمة لإصلاحات أعمق تتعلق بالبنية الإدارية والمهنية للقطاع الإعلامي.
وتبقى إحدى الإشكاليات الرئيسية في المرحلة الراهنة هي الموازنة بين متطلبات إدارة الأزمة ومتطلبات بناء المؤسسات. فإدارة الأزمة تقتضي سرعة اتخاذ القرار والتعامل مع المستجدات اليومية، بينما يحتاج البناء المؤسسي إلى تخطيط طويل المدى واستقرار نسبي وتوفير الموارد البشرية والمالية. والنجاح الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين المسارين دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
مؤشرات قابلة للقياس
كما أن تقييم أداء الوزارة لا ينبغي أن يقتصر على الخطاب الإعلامي أو الظهور الرسمي، وإنما يجب أن يستند إلى مؤشرات عملية قابلة للقياس، مثل مدى استمرارية المؤسسات الإعلامية في أداء دورها، ومستوى التطور المهني في المحتوى الإعلامي، وقدرة الوزارة على إيصال الرواية الرسمية داخلياً وخارجياً، وتعزيز حضور السودان في الفضاء الإعلامي الإقليمي والدولي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
بيئة شديدة التعقيد
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الوزارة تعمل في بيئة شديدة التعقيد. فالحرب أرهقت الاقتصاد، وأثرت على البنية التحتية، وأضعفت قدرة الدولة على تمويل القطاعات الخدمية والثقافية والإعلامية. كما أن التحولات الرقمية المتسارعة جعلت من الصعب على المؤسسات الإعلامية التقليدية مواكبة المنافسة مع المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت المصدر الرئيسي للأخبار بالنسبة لقطاعات واسعة من الجمهور.
ويضاف إلى ذلك أن معركة الإعلام في العصر الحديث لم تعد موجهة إلى الداخل فقط، بل أصبحت تمتد إلى الرأي العام الإقليمي والدولي. ولذلك فإن نجاح أي وزارة إعلام في ظروف الحرب يقاس أيضاً بقدرتها على مخاطبة العالم الخارجي، وتقديم رواية متماسكة للأحداث، والتفاعل مع وسائل الإعلام الدولية، والتصدي للمعلومات المضللة التي قد تؤثر على صورة الدولة ومواقف المجتمع الدولي تجاهها.
تحديات حقيقية امام الإعلام
وفي المقابل، فإن هذه الظروف نفسها لا ينبغي أن تكون مبرراً لتجاهل أوجه القصور أو تأجيل الإصلاحات المطلوبة. فهناك تحديات حقيقية ما تزال تواجه قطاع الإعلام، من بينها الحاجة إلى تحديث المؤسسات الإعلامية الرسمية، ورفع كفاءة الكوادر المهنية، وتطوير السياسات الإعلامية، وتعزيز الشفافية وتدفق المعلومات، وتوسيع مساحة الحوار مع مختلف الآراء والتيارات الوطنية.
أما في قطاع السياحة والتراث، فإن التحديات تبدو أكثر تعقيداً. فالسياحة ترتبط ارتباطاً مباشراً بالاستقرار الأمني والبنية التحتية والاستثمار، وهي عناصر تعرضت لضغوط كبيرة خلال السنوات الأخيرة. كما أن العديد من المواقع الأثرية والتراثية تحتاج إلى الحماية والتوثيق وإعادة التأهيل، وهو ما يتطلب موارد مالية وفنية كبيرة.
الرؤية والتخطيط والاستقرار
ورغم ذلك، فإن السودان ما يزال يمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً وسياحياً ضخماً يمكن أن يشكل مستقبلاً أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني إذا توفرت الرؤية والتخطيط والاستقرار اللازم. وهنا يبرز دور الوزارة ليس فقط في إدارة الواقع الراهن، بل في وضع الأسس والاستراتيجيات التي تمكن هذه القطاعات من التعافي والنمو مستقبلاً عندما تسمح الظروف بذلك.
وعند تقييم أداء الوزير خالد الإعيسر، ربما يكون من الأدق القول إن عملية التقييم الشامل ما تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت والمعطيات، لأن المرحلة الحالية هي في جوهرها مرحلة إدارة أزمة وطنية أكثر منها مرحلة تنفيذ برامج تنموية متكاملة. ومع ذلك، فإن المؤشرات التي يمكن القياس عليها تتمثل في مدى نجاح الوزارة في الحفاظ على فاعلية مؤسساتها، وتحسين أدائها المهني، وتعزيز الحضور الإعلامي والثقافي للسودان، والاستعداد لمرحلة إعادة البناء عندما تتوفر الظروف المناسبة.
الاداءوالنوايا الوطنية
إن الاختلاف في الرأي حول السياسات أو الأساليب أو الأولويات أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن الموضوعية تقتضي التمييز بين نقد الأداء من جهة، والتشكيك في النوايا أو الوطنية من جهة أخرى. فالنقد المهني يظل ضرورة للإصلاح والتطوير، كما أن الاعتراف بحجم التحديات والجهود المبذولة يظل جزءاً من الإنصاف.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح وزارة الإعلام والثقافة والسياحة لا يرتبط بشخص الوزير وحده، وإنما بقدرة الدولة على توفير الموارد، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وكفاءة المؤسسات، ومشاركة أهل الخبرة والاختصاص في صناعة القرار. فبناء إعلام قوي، وحماية التراث الوطني، وإحياء القطاع السياحي، ليست مهاماً فردية، بل مسؤوليات وطنية مشتركة تتطلب عملاً جماعياً يتجاوز الأشخاص والمواقع التنفيذية.
فرصة لإعادة التاسيس
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز آثار الحرب، بل في استثمار هذه المرحلة الصعبة لإعادة بناء مؤسسات إعلامية وثقافية وسياحية أكثر كفاءة ومرونة واستدامة. فالأزمات، رغم قسوتها، قد تكشف مواطن الضعف، لكنها تتيح أيضاً فرصة لإعادة التأسيس على أسس أكثر مهنية وقدرة على خدمة الدولة والمجتمع في المستقبل

