الجنيه مقابل الدولار على حافة الهاوية
قراءة في جذور الانهيار وسبل الإنقاذ الممكنة
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
ما يشهده الاقتصاد السوداني حاليا واحده من أعنف أزمات سعر الصرف في تاريخه الحديث حيث اخترق سعر الدولار الأمريكي حاجز الـ 4300 جنيه سوداني في السوق الموازي وسط عجز واضح للسلطات النقدية عن إدارة الأزمة، فهذا الانهيار لا يعتبر وليد اللحظة فهو نتيجة تراكم لعقود من السياسات الهيكلية الغير رصينة بجانب الصراعات الداخلية السياسية و الحروب الداخلية و ايضا العزلة الدولية التي أثرت كثيرا على الاقتصاد السوداني و نرى ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الحالي يتطلب معالجات فورية و بإدارة ازمه ذكية بعيد عن أي محاصصات أو مجاملات ، وفي هذا المقال نحاول على أن نضع تشخيصا دقيقا للأسباب الجذرية ثم اقتراح إجراءات صارمة غير تقليدية قبل فوات الأوان.
أولا: تحليل أسباب الانهيار…من الاحتضار إلى الانفجار:
1. عجز مزدوج في الميزان التجاري والموازنة العامة: حيث يعاني السودان الان من عجز مزمن في الميزان التجاري حيث لا تغطي الصادرات (الذهب، السمسم، الماشية، القطن) إلا جزء ضئيل من فاتورة الاستيراد (المواد الغذائية، الوقود، الآلات) ، فمنذ انفصال جنوب السودان في 2011، خسر السودان 75% من عائدات النفط وهو ما لم تعوضه أي استراتيجية بديلة حتى اليوم ، فعلى صعيد الموازنة ظلت الحكومات المتعاقبة تحاول علاج العجز عبر الاقتراض من البنك المركزي وطباعة النقود مما أدى الى ضخ سيولة هائلة دون غطاء إنتاجي ومن خلال ذلك زادت الأزمة بتغذية التضخم و ارتفع سعر الدولار إلى مستويات خيالية.
2. الاقتصاد غير الرسمي وتهريب العملة: يشكل التهريب عموما مشكلة ومعضله حقيقية و خاصة تهريب العملة الأجنبية والذهب عبر الحدود البرية (خاصة مع تشاد وليبيا وجنوب السودان) فجوة استنزاف لاحتياطيات البنك المركزي. تقدر بعض التقارير الدولية أن ما يزيد على 60% من تجارة الذهب السوداني تتم خارج القنوات الرسمية بينما يتحكم تجار الصرافة غير المرخصين في السوق الموازي الذي يعمل بآليات المضاربة والاحتكار.
3. الصدمات السياسية والعقوبات وفقدان الثقة: العقوبات الأميركية طويلة الأمد (رفع معظمها في 2017 لكنها تركت ندوبا)، ثم الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 كل ذلك أدى إلى شلل شبه كامل للقطاع المصرفي، وإغلاق آلاف المصانع، وتوقف التحويلات الخارجية عبر القنوات الرسمية، فعندها فقد المواطن الثقة بالجنيه والبنوك، حول مدخراته إلى دولار أو ذهب وهذا الهروب من العملة المحلية يضغط أكثر على سعر الصرف.
4. غياب سعر صرف حقيقي موحد: و يظهر جليا أن لدى السودان نظام متعدد أسعار الصرف (سعر رسمي للبنك المركزي منخفض ومصطنع)، و(سعر للشركات والمستوردين عبر آلية تظهير المستندات) أو ماهو معروف بالوراقة، وسعر موازي يتحكم فيه تجار و مافيا عنيدة بشبكات معقدة ، فهذه الفجوات تخلق فرص مراجحة وتحفيز للفساد كما تجعل تحويلات المغتربين (أحد أهم مصادر النقد الأجنبي) تتدفق خارج النظام المصرفي.
ثانيا: إجراءات صارمة لمعالجة الجذور…خطة عمل احترافية:
لن تنجح أي إجراءات تجميلية أو وعود بإصلاحات سطحية ، فنحن أمام حالة طارئة تتطلب جراحة اقتصادية متمثلة في :
1. وقف فوري لتمويل العجز عبر طباعة النقود: فهذه هي الخطوة الأولى والأصعب، فيجب على الحكومة الالتزام ببرنامج نقدي تقييدي حازم- ألا يزيد إصدار النقود الجديدة عن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي- وبدلا من ذلك تمويل العجز عبر:
– إصدار سندات خزانة حقيقية لأجل قصير بفائدة إيجابية (أعلى من التضخم).
– إعادة هيكلة الإنفاق العام بإلغاء الدعم عن الوقود والكهرباء تدريجيا، مع تعويض الطبقات المتعففة مباشرة عبر دعم نقدي محدد (برامج التحويلات المشروط).
2. توحيد سعر الصرف وتحريره بالكامل مع هوامش محددة : فيجب إلغاء نظام الأسعار المتعددة واعتماد سعر صرف مرن يحدده السوق عبر بنوك تجارية وشركات صرافة مرخصة مع وضع آلية تدخل للبنك المركزي في أوقات التقلبات الحادة فقط فشرط النجاح في ذلك توفير سيولة دولارية مسبقة عبر:
– اتفاق طارئ مع الصناديق الدولية للحصول على تسهيل ائتماني سريع.
– إصدار سندات دولارية للاستثمار بضمان أصول حكومية (مثل موانئ أو أراض زراعية) لخبراء سودانيين في الخارج.
3. حرب شاملة وقوية لمنع تهريب العملة والذهب: وهنا تحتاج الدولة إلى إنشاء جهاز خاص مستقل لمكافحة التهريب يعمل بالتنسيق مع أجهزة المخابرات والجمارك ويمتلك صلاحيات كبيره:
– تركيب أجهزة تتبع على شاحنات نقل البضائع والذهب.
– إغلاق المنافذ البرية غير الرسمية بالتعاون مع دول الجوار عبر اتفاقيات أمنية مشددة.
– تطبيق عقوبات مصادرة لكل المضبوطات وسجن المتورطين لمدد طويلة.
4. إعادة هيكلة قطاع التحويلات الخارجية: وهنا يجب إنشاء نافذة إلكترونية موحدة لتحويلات المغتربين بضمان عطاء سعر صرف تنافسي مماثل للسوق الموازي مع توفير قنوات مصرفية رقمية سريعة و امنة بالشراكة مع بنوك خارجية تحفيز المغتربين على تحويل أموالهم عبر النظام الرسمي بمنحهم امتيازات استثمارية (مثل شراء سندات دولارية بسعر مميز أو المساهمة في شركات.
5. خطة طوارئ إنتاجية لكسر الاعتماد على الاستيراد: لا حل دون زيادة المعروض من العملة الصعبة عبر الإنتاج الحقيقي في ظل الحرب التركيز يجب أن ينصب على:
– قطاع الزراعة المروية في الولايات غير المتضررة (نهر النيل، الجزيرة، كسلا وغيرها) بتوفير مدخلات ومعدات عبر الائتمان الزراعي الدولاري.
– الذهب عبر إلزام جميع المنتجين بتسليم الإنتاج للبنك المركزي بسعر محفز يربط بالدولار العالمي مع إلغاء تصاريح التصدير الخاص.
– الخدمات الرقمية (مراكز الاتصال البرمجة) والتي يمكن تصديرها دون حاجة إلى بنية تحتية ضخمة.
6. حل سياسي ومصالحة اقتصادية: لا استقرار نقدي بلا استقرار سياسي فمن الضروري فتح قنوات حوار جادة لإنهاء الحرب الحالية ولو مؤقتا،عبر اتفاق يضمن:
– وقف إطلاق نار تحت مراقبة دولية و شروط السيادة الوطنية .
– تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الاقتصاد بعيدا عن التجاذبات السياسية وغيرها .
– إعادة فتح الموانئ والمطارات وتأمين خطوط الإمداد بالشراكة مع شركات محلية و خارجية .
بين اللحظة والهاوية… ماذا يكون:
الوصول إلى 4300 جنيه للدولار لم يعد انفجار مفاجئ، انما يعد ذروة عملية تراكمية من سوء الإدارة و الارادة فالعلاج يتطلب إجراءات صارمة وجراحة معقدة على المدى القصير من (وقف الطباعة، وتحرير السوق، وهيكلة الدعم، وتجريم التهريب) بدون اي استثناءات ، فهذه الإجراءات ستؤدي مؤقتا في اعتقادنا إلى مزيد من التضخم و المعاناة الاجتماعية لكنها شرارة ضرورية لبدء التعافي فالبديل هو انزلاق نحو السيناريو الذي حدث في زيمبابوي حيث يصبح الجنيه مجرد ورق عديم القيمة فالقرار الآن لايعد اقتصاديا فحسب انما وجوديا.
(شدوا الأحزمة وفق رؤية واضحة ستنجحوا باذن الله)

