هل أزمات الوقود والكهرباء في السودان تُحل بكبسة زر؟
كتبت / إيثار عبدالحميد
في وقت تتصاعد فيه معاناة المواطنين مع شح الوقود وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار السلع وتدهور قيمة العملة الوطنية، جاء حديث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن وجود جهات وأصابع خفية تقف وراء بعض الأزمات ليعيد إلى الواجهة تساؤلات الشارع السوداني حول حقيقة ما يجري ومن يتحمل المسؤولية عن هذا الواقع الصعب
فإذا كانت هناك بالفعل جهات تتلاعب باحتياجات الناس وتتاجر في معاناتهم وتعمل على تعميق الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، فإن ذلك يمثل خطراً حقيقياً على الدولة والمجتمع معاً، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً لسؤال أكثر أهمية .. لماذا استطاعت هذه الجهات أن تجد مساحة للتأثير داخل قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر ؟
المواطن السوداني الذي تحمل أعباء الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023 لا يبحث اليوم عن تبادل الاتهامات بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية، فهو يريد أن يجد الوقود متوفراً عندما يحتاج إليه وأن تنعم أسرته بالكهرباء وأن تتراجع موجات الغلاء التي أصبحت ترهق الجميع
ومن أرض الواقع تبدو الأزمة أكبر من مجرد نقص في الوقود أو أعطال في الكهرباء، فهي أزمة إدارة وتخطيط ومتابعة وتنفيذ، وأزمة قرارات اقتصادية اتخذ بعضها دون توفير البيئة المناسبة لنجاحها
فخلال الفترة الماضية صدرت قرارات تتعلق بحظر أو تقييد بعض السلع تحت مبررات اقتصادية مختلفة، لكن المشكلة لم تكن في القرار نفسه بقدر ما كانت في غياب البدائل المحلية القادرة على سد احتياجات السوق، إذ لا يمكن الحديث عن تقليل الاستيراد أو إيقافه في ظل ضعف الإنتاج المحلي وعدم تهيئة القطاعات الإنتاجية للقيام بهذا الدور
وعندما تغيب البدائل ترتفع الأسعار وتتسع الفجوة بين العرض والطلب ويتحمل المواطن وحده تكلفة التجربة والخطأ، لذلك فإن أي قرار اقتصادي لا يسبقه إعداد حقيقي للإنتاج المحلي أو دراسة دقيقة لاحتياجات السوق يتحول من أداة للحل إلى عبء جديد يضاف إلى قائمة الأزمات
وفي خضم هذه التحديات جاء قرار قصر استيراد الوقود على الشركات الحكومية كمحاولة لإعادة ضبط القطاع والحد من الفوضى والاختلالات التي شابت عمليات الإمداد والتوزيع، غير أن نجاح القرار لا يرتبط بإصداره فقط، وإنما بقدرة المؤسسات المعنية على تنفيذه بكفاءة وشفافية وسرعة تمنع حدوث مزيد من الاضطرابات في السوق
وإذا كانت الحكومة مقتنعة بوجود جهات تعبث بقطاع الوقود أو تستفيد من الأزمات، فإن المطلوب ليس فقط كشف هذه الجهات للرأي العام، وإنما بناء منظومة رقابة ومحاسبة تمنع تكرار ما حدث وتحمي مصالح المواطنين من أي تلاعب مستقبلي
وفي الوقت الذي تعهد فيه رئيس مجلس السيادة باستعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية والقضاء على التمرد ومواجهة التدخلات الخارجية التي قال إنها تقف وراء الحرب، يبقى التحدي الداخلي المتعلق بمعيشة المواطنين جزءاً أساسياً من معركة استعادة الاستقرار، لأن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التهديدات العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية وصون كرامة مواطنيها
ورغم قسوة الظروف التي يعيشها السودان اليوم، فإن تاريخ الشعوب يؤكد أن الأزمات مهما تعاظمت يمكن تجاوزها عندما تتوافر الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة والرؤية الواضحة، وعندما تتحول التحديات إلى حافز للإصلاح الحقيقي لا إلى مبرر لتراكم الإخفاقات
الحلول موجودة بلا شك، لكنها لا تأتي بكبسة زر ولا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى قرارات مدروسة ومؤسسات فاعلة ورقابة صارمة ومحاسبة عادلة لكل من يقصر أو يعبث بمصالح الناس، كما تحتاج إلى الاستماع لصوت المواطن الذي ظل يدفع ثمن الأزمات عاماً بعد عام
ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع السوداني اليوم .. إذا كانت الجهات المسؤولة تعلم أين تكمن أسباب الأزمة ومن يقف وراءها، فمتى تنتقل من مرحلة الحديث عن المشكلة إلى مرحلة إنهائها، قبل أن تتحول معاناة المواطنين إلى أزمة ثقة أكبر في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة شؤون البلاد ؟
فالسودان اليوم يقف عند مفترق طرق، ولم يعد المواطن ينتظر مزيداً من التبريرات أو تبادل المسؤوليات بقدر ما ينتظر أفعالاً ونتائج ملموسة تعيد الثقة في مؤسسات الدولة، وتخفف أعباء المعيشة، وتضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار .

