الوشاحات لا تصنع النفوذ… هل فقدت الإدارة الأهلية بشرق السودان تأثيرها وسطوتها ونفوذها؟
بقلم: محمد عثمان الرضي
◆ أصبحت اللقاءات والاحتفالات التي تنظمها قيادات الإدارة الأهلية في شرق السودان مشهداً متكرراً، تتصدره الوشاحات وخطابات الإشادة وعبارات الثناء المتبادل، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مدى قدرتها على التأثير الفعلي في واقع المجتمع.
◆ فالمظاهر الاحتفالية مهما بلغت درجة بريقها لا تكفي وحدها لمعالجة الشروخ الاجتماعية والتصدعات التي تراكمت بفعل سنوات طويلة من الأزمات والصراعات والتجاذبات السياسية.
◆ والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نجحت هذه الفعاليات في إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، أم أنها تحولت إلى مناسبات بروتوكولية لا تتجاوز حدود الصورة والخطاب؟
◆ إن المجتمعات لا تُدار بالرمزية وحدها، بل تُدار بالقدرة على إيجاد الحلول الواقعية التي تلامس هموم الناس وتستجيب لتحدياتهم اليومية.
◆ لقد شهد العالم تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة، وظهر جيل جديد يختلف في طريقة تفكيره ونظرته إلى السلطة والقيادة والتأثير.
◆ فهذا الجيل الذي تشكل وعيه عبر التعليم والتقنية ووسائل الاتصال الحديثة لم يعد ينظر إلى النفوذ بالمنظور التقليدي الذي كان سائداً في الماضي.
◆ ومن الطبيعي أن تطرح هذه التحولات تساؤلات مشروعة حول موقع الإدارة الأهلية في المشهد الاجتماعي الراهن ومدى قدرتها على مواكبة المتغيرات المتسارعة.
◆ لا أحد ينكر أن الإدارة الأهلية لعبت أدواراً وطنية وتاريخية مهمة في حفظ الأمن الاجتماعي واحتواء النزاعات وتعزيز التعايش بين المكونات المختلفة.
◆ كما لا يمكن تجاهل مساهماتها الكبيرة في بناء الاستقرار خلال فترات كانت فيها مؤسسات الدولة محدودة الإمكانات والحضور.
◆ غير أن قيمة التاريخ لا تعني بالضرورة صلاحية الأدوات القديمة للتعامل مع تحديات الحاضر وتعقيدات المستقبل.
◆ ولعل من أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الأهلية اليوم هو تراجع قدرتها على التأثير المباشر في الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر ارتباطاً بمؤسسات التعليم والمعرفة.
◆ فالمواطن المعاصر أصبح أكثر ميلاً إلى الاقتناع بالحجة والمنطق والكفاءة، وأقل استعداداً للانصياع لمجرد المكانة الاجتماعية أو الإرث التقليدي.
◆ كما أن اقتراب بعض قيادات الإدارة الأهلية من دوائر السلطة السياسية أوجد انطباعاً عاماً بأنها فقدت جانباً من استقلاليتها التاريخية التي كانت مصدر قوتها ونفوذها.
◆ وقد أدى ذلك إلى تآكل جزء من الثقة التي كانت تتمتع بها لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً بين الشباب والمتعلمين.
◆ فالقيادة المجتمعية تكتسب مشروعيتها من قدرتها على تمثيل مصالح الناس والدفاع عن قضاياهم، لا من قربها من مراكز القرار أو مشاركتها في المناسبات الرسمية.
◆ إن النفوذ الحقيقي لا يصنعه الوشاح ولا تصنعه المنصات الاحتفالية، بل تصنعه المواقف الشجاعة والقدرة على التأثير الإيجابي في حياة المواطنين.
◆ كما أن السطوة الاجتماعية لا تُقاس بحجم الحضور في الاحتفالات، وإنما بحجم الثقة التي يمنحها المجتمع لمن يتحدث باسمه ويدافع عن مصالحه.
◆ ومن المؤسف أن بعض قيادات الإدارة الأهلية ما زالت تتعامل مع الواقع بعقلية تستند إلى معادلات الماضي، رغم أن المجتمع من حولها تغير بصورة جذرية.
◆ إن شرق السودان اليوم يحتاج إلى قيادات مجتمعية تمتلك القدرة على قراءة التحولات الجديدة والتفاعل معها بعقل منفتح ورؤية تستشرف المستقبل.
◆ ويبقى السؤال مفتوحاً أمام قيادات الإدارة الأهلية: هل تكتفي بالاستناد إلى أمجاد التاريخ ورمزية المناصب التقليدية، أم تبادر إلى مراجعة شاملة تعيد لها مكانتها وتأثيرها في مجتمع لم يعد يشبه الأمس في شيء؟

