سلسلة “أيام لا تُنسى” الحلقة (13)..
تهنا حتى دخلنا الصحراء الليبية، فكيف نجونا من الموت بأعجوبة؟
هذه الحلقة أكتبها بإحساس من عاد من موتٍ محقق. فما حدث لنا في صحراء الولاية الشمالية لا أنساه ما حييت، بل يفوق في خطورته حتى موقف الأسد الذي هاجمنا ليلاً ونحن ننام في العراء، وهو موقف مرعب سأحكي عنه في حلقة قادمة.
التيه في الصحراء:
في رحلة امتدت لشهر طفنا عبرها الكثير من مدن وقرى الولاية الشمالية بغرض إنتاج أفلام وثائقية، وكان فريق عملنا يتكون من:
شخصي الضعيف والفقير إلى الله، كاتب السيناريو والمخرج، والأستاذ ميرغني عجيب، المصور البارع، والأستاذ الدرامي عبد الرحيم محمد سعيد مدير الإنتاج، إلى جانب العم مهدي حامد، رحمه الله، في قيادة السيارة.
عقب انتهائنا من التصوير، وتشرفنا بحسن الضيافة الذي وجدناه في كل مدن قرى الولاية الشمالية، جمعنا أجهزتنا، وهيأنا أنفسنا في الرجوع إلى أمدرمان، المدينة الوطن، في أسرع وقت ممكن، لأننا كنا في أشد الاشتياق إلى عبق تاريخها التليد، الذي يعطر الجو قبل الوصول إليها بكيلومترات.
تحركنا من مدينة كرمة التاريخية، بعد أن متعنا الأعين وعدسة الكاميرا بمرأى الدفوفتين الشرقية والغربية، واتجهنا جنوباً تسبق الأشواق إطارات السيارة التي تشبعت بتراب الولاية الشمالية الطيب المترع بحنين أهلها الأكارم.
كان العم مهدي، رحمه الله، يقود السيارة في طرق لم يتم تعبيدها آنذاك، مستعيناً قبل خبرته في القيادة بحقيقة أنه من أهل المنطقة التي يعرف دروبها منذ نعومة أظافره، ولولا ذلك ما كنا سنتمكن أصلاً من الوصول إلى هدفنا في رحلة الذهاب لأن السيارات آنذاك كان تشق الصحراء دون مسار واضح محدد، إذ كانت تجد أمامها في كل منطقة مجموعة من المسارات المتفرعة، التي تدل عليها آثار باهتة لإطارات السيارات السابقة التي تركتها وراءها كتذكارات أمينة لسفريات مشبعة بالحنين لمن كان رائحاً أو غادياً.
مدينة الدبة بداية العقدة:
وصلنا مدينة الدبة وشمس الصباح لا زالت تتثائب أمامنا في كسل. ولإصراري على الالتزام بالخط الزمني للرحلة الذي وضعته في التصور قبل بدء التنفيذ، والإصرار على عدم اللجوء إلى استخدام الاحتياطي، لم يكن مخططاً لنا إلا المرور بالدبة دون مبيت.
الحلقة المفرغة:
وما أن غادرنا الدبة بعدة كيلومترات حتى تشابهت علينا المسارات واختلطت علينا الاتجاهات رغم خبرة العم المهدي باعتباره من أهل المنطقة الأدرى بشعابها.
بعدها وجدنا أنفسنا في دوامة حلقة مفرغة لا نهاية لها ، إذ ظللنا نسير لعدة ساعات دون أن نصل لأقرب منطقة مأهولة بالسكان.
المصيبة الأكبر أننا ما عدنا نعرف الاتجاهات، ففي تلك المنطقة ضفة النيل الشرقية تصبح غربية وكذلك الحال مع ضفته الغربية؛ لأن النيل نفسه يبدو في تلك المنطقة وكأنه تائه مثلنا؛ وإن كان قد عاد هو إلى مساره الصحيح ،بينما لم نعد نحن، وربما يحنُّ إلى منبعه كما نحن إلى مدينة حنينة غبنا عنها ثلاثين يوماً.
في منطقة ما نزلنا من السيارة حيارى، وحاولنا معرفة الشرق من الغرب من خلال النظر إلى ظلالنا، بيد أن غيمة غطت الشمس لساعات لم تترك لنا ظلاً نهتدي به.
وبعد مرور ساعات طويلة أيقنا معها أننا سنموت في الصحراء عطشاً، حتى بدأنا نفكر في كتابة وصايانا، نزلنا أنا والأستاذ ميرغني عجيب من السيارة لنوثق بالصورة لقطات سيارتنا وهي تدور في هذه الحلقة المفرغة.
وعقب انتهائنا من تعبئة شريط احتياطي أشركناه في مأساتنا العظيمة، ألهبتنا رحلة الضياع بساعات إضافية من العنت لم تجد حظها من التصوير.
طوق النجاة المتفلت:
فجأة ونحن نحصر -في حرص شديد- ما تبقى لنا من قوارير المياه، رأينا من على البعد رجلاً يسير وسط الصحراء. بدا لنا من على البعد كنقطة رجاء تتوسط محيط من العدم. اتجهنا بالسيارة نحوه على عجل، وأخبرناه بأننا تائهون، فأفادنا بأننا توغلنا في الصحراء الليبية حتى النخاع.
ركب معنا الرجل وأشار إلى اتجاه معين، فتبعته السيارة بصورة بدت لنا وكأنها حمارة تعرف طريقها ،ولا تحتاج إلى توجيه من راكبها.
وبعد مسيرة تجاوزت الساعتين طلب الرجل من العم مهدي إيقاف السيارة. أجلنا البصر في محيط المكان الذي لم نر فيه غير الصحراء والسماء. عرفنا من الرجل أنه وصل وجهته. تنهدنا جميعنا في حسرة، فأشار إلى اتجاه معين طلب منا الالتزام به، دون أن يخبرنا إلى أين يقودنا.
تحركنا بحسب توجيهه، وبعد مسيرة نحو ثلاث ساعات وجدنا أنفسنا نعود إلى مدينة الدبة من غير الاتجاه الذي غادرناها منه.
حمدنا الله كثيراً على النجاة، وإن كان لسان حالنا يقول: تمخَّض الجبل فولد فأراً؛ إذ كنا نتوقع الوصول إلى منطقة أقرب إلى مقصدنا، ولو بعدة أمتار.
حمدنا الله على السلامة، وقررنا المبيت بمدينة الدبة، لنبدأ في صبيحة الغد الرحلة من جديد. لا أدري ما الذي ذكرني بموقف طالب كتب له معلِّمه كلمة أعد في كراسة الإملاء، فمزق كراسه وألصق التهمة بجاره في الفصل.
المهم، حمدت الله على وجود يوم احتياطي في الخط الزمني للرحلة، وهو ما اعتدت وضعه في التصور، فوصلنا مدينة أمدرمان في الوقت المحدد، ونحن نحمل الأرواح بين الأكف، مخافة من الدخول في متاهة أخرى.
في الختام أسأل الله الرحمة والمغفرة للعم مهدي الذي انتقل إلى رحاب الله قبل كتابة المنشور الذي يوثِّق ليوم يصعب نسيانه، لأنه، لولا لطف الله وعنايته، لكان ذلك اليوم هو الأخير لنا في هذه الدنيا.
من سلسلة” أيام لا تُنسى”..
حكايات من كواليس أفلامي الوثائقية ورحلات التوثيق داخل السودان وخارجه.
د. النور الكارس

