السلاح المنفلت تحت المجهر… البرهان يطلق معركة استعادة هيبة الدولة من حلايب
بقلم محمد عثمان الرضي
◆ حملت زيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى منطقة الرتج بمحلية حلايب بولاية البحر الأحمر رسائل سياسية وأمنية بالغة الأهمية، أكدت أن الدولة تتابع التطورات الميدانية عن كثب وتتعامل معها بالسرعة والحزم المطلوبين.
◆ وجاء إعلان البرهان منح لجنة الأمن بولاية البحر الأحمر، برئاسة الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود، السلطات والصلاحيات الكاملة لمصادرة الأسلحة غير المرخصة من المواطنين، ليعكس توجهاً واضحاً نحو فرض سيادة القانون وتعزيز الاستقرار الأمني بالمنطقة.
◆ ويكتسب هذا القرار أهمية خاصة في ظل التحديات الأمنية التي شهدتها بعض مناطق الولاية خلال الأيام الماضية، والتي استدعت تدخلاً مباشراً من القيادة العليا للدولة لاحتواء الموقف ومنع أي تداعيات قد تؤثر على السلم المجتمعي.
◆ ولا يختلف اثنان على أن انتشار السلاح وسط المواطنين أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الدولة خلال هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
◆ فالأصل أن تكون حيازة السلاح واستخدامه محصورة في القوات النظامية والأجهزة المختصة المخولة قانوناً بحماية المواطنين والدفاع عن الوطن، باعتبار أن احتكار الدولة للقوة يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار.
◆ إلا أن ظروف الحرب وما صاحبها من سيولة أمنية ساهمت بصورة مباشرة في زيادة معدلات انتشار السلاح خارج الأطر الرسمية، الأمر الذي أوجد واقعاً جديداً يتطلب معالجة جادة ومسؤولة.
◆ كما أن تعدد بؤر النزاعات خلال السنوات الماضية ساعد في انتقال كميات كبيرة من الأسلحة إلى أيدي المواطنين، وهو وضع لا يمكن أن يستمر إذا كانت الدولة تسعى إلى بناء بيئة آمنة ومستقرة.
◆ وللأسف، أصبحت ظاهرة اقتناء السلاح لدى بعض الفئات مرتبطة بمفاهيم اجتماعية وقبلية خاطئة، حيث ينظر إليه أحياناً باعتباره رمزاً للمكانة أو وسيلة لإثبات النفوذ والقوة.
◆ وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يكون غالبية حاملي السلاح من فئة الشباب، وهي الفئة الأكثر تأثراً بالحماس والانفعال، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم النزاعات وتحويل الخلافات البسيطة إلى مواجهات خطيرة.
◆ كما أن انتشار بعض الفصائل والتشكيلات المسلحة خلال السنوات الماضية ساهم بصورة أو بأخرى في زيادة حجم الأسلحة المتداولة خارج نطاق الرقابة الرسمية.
◆ ومن هنا تبرز أهمية الشروع في عمليات حصر دقيقة للأسلحة المنتشرة، والعمل على تنظيمها وفق إجراءات قانونية واضحة تضمن خضوعها الكامل لسلطة الدولة وأجهزتها المختصة.
◆ ويظل شرق السودان، رغم كل التحديات، واحداً من أكثر الأقاليم تمسكاً بقيم التعايش والتسامح، الأمر الذي ساعد في المحافظة على قدر كبير من الاستقرار طوال الفترات الماضية.
◆ غير أن المحافظة على هذا الاستقرار تتطلب إجراءات استباقية وحاسمة تمنع تطور أي احتكاكات محلية إلى نزاعات أوسع نطاقاً قد تهدد الأمن المجتمعي.
◆ وفي هذا السياق، يظل الدور الذي تضطلع به الإدارة الأهلية محورياً ومهماً في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقريب وجهات النظر بين مختلف المكونات المجتمعية.
◆ وتقع على عاتق قيادات الإدارة الأهلية مسؤولية كبيرة في نزع فتيل التوترات واحتواء الخلافات بالحكمة والعقلانية، حفاظاً على النسيج الاجتماعي الذي ظل يمثل مصدر قوة لشرق السودان.
◆ كما أن اتساع المسافات الجغرافية ووعورة الطرق وضعف الخدمات في بعض المناطق النائية تشكل تحديات حقيقية أمام جهود بسط الأمن ومكافحة الجريمة.
◆ ولذلك فإن تعزيز وجود مؤسسات الدولة وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية يمثلان جزءاً لا يتجزأ من أي خطة ناجحة لتحقيق الأمن والاستقرار المستدام.
◆ ومن المهم كذلك تعزيز الوجود الأمني في المناطق الحيوية، وعلى رأسها مناطق التعدين، بما يضمن حماية المواطنين وتأمين الأنشطة الاقتصادية ومنع أي احتكاكات قد تحدث بين المجموعات المختلفة.
◆ وقد بعثت الزيارة السريعة التي قام بها البرهان إلى منطقة الحدث برسالة طمأنينة واضحة للمواطنين، مفادها أن القيادة ليست بعيدة عن قضاياهم، وأنها حاضرة في الميدان كلما استدعت الضرورة ذلك.
◆ وفي المحصلة، فإن معركة جمع السلاح غير المرخص لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الدولة من أجل استعادة هيبتها وترسيخ سلطة القانون، وهي معركة تتطلب تعاون الجميع، حتى يظل شرق السودان آمناً ومستقراً، وتبقى هيبة الدولة فوق كل اعتبار.

