الخرطوم التي عدت إليها ليست الخرطوم التي غادرتها
ثلاث سنوات بين مرارة الحرب وبشائر التعافي
بقلم: محمد عثمان الرضي
✦ بعد غياب امتد لثلاثة أعوام كاملة منذ اندلاع الحرب في عام 2023، عدت إلى العاصمة القومية الخرطوم في الثالث والعشرين من يونيو من العام الجاري، حاملاً معي الكثير من الذكريات والأسئلة والترقب لما آلت إليه الأوضاع في المدينة التي كانت يوماً قلب السودان النابض.
✦ لم تكن تلك العودة مجرد رحلة سفر عادية، بل كانت رحلة في الذاكرة والوجدان، ومحاولة لاكتشاف حجم التغيير الذي أحدثته الحرب في تفاصيل الحياة اليومية بالعاصمة.
✦ اخترت أن تكون رحلتي عبر الخطوط الجوية السودانية، الناقل الوطني الذي ظل يؤدي دوره رغم الظروف الاستثنائية والتحديات التي فرضتها الحرب على مختلف مؤسسات الدولة.
✦ وقبل الإقلاع كانت لدي تصورات بأن ضغوط التشغيل وقلة الإمكانيات ربما تؤثر على انتظام الرحلات، إلا أن الواقع جاء مختلفاً تماماً.
✦ فقد التزمت الرحلة بمواعيدها المحددة في الإقلاع والهبوط، وهو أمر يستحق الإشادة ويعكس الجهد الكبير الذي يبذله العاملون بالشركة في ظل ظروف بالغة التعقيد.
✦ غير أن القلق يظل مشروعاً على الطائرة الوحيدة التي تمثل ما تبقى من أسطول الناقل الوطني، وهي تتحمل أعباء الرحلات الداخلية والخارجية بصورة متواصلة.
✦ ويأمل السودانيون أن تحظى الشركة بالدعم اللازم الذي يمكنها من تعزيز أسطولها والمحافظة على هذا المرفق الوطني المهم.
✦ ومن الملاحظات التي استوقفتني خلال الرحلة طبيعة طاقم الضيافة الجوية الذي تميز بخبرات طويلة وتراكم معرفي انعكس بوضوح على مستوى الأداء والتعامل مع الركاب.
✦ فقد قدم أفراد الطاقم نموذجاً مهنياً راقياً جسد قيمة الخبرة والتجربة في أداء المهام المختلفة.
✦ وكان من حسن الطالع أن رافقني في هذه الرحلة مفوض الخدمة القضائية وقاضي المحكمة العليا مولانا عصمت محمد يوسف، أحد الأسماء البارزة في الساحة القانونية السودانية.
✦ ويُعرف الرجل بمسيرة مهنية حافلة امتدت لسنوات طويلة في خدمة العدالة وترسيخ سيادة القانون.
✦ كما ارتبط اسمه بعدد من المحطات القانونية المهمة التي ظلت حاضرة في ذاكرة الرأي العام السوداني.
✦ وخلال الرحلة دار حديث ثري حول قضايا وطنية متعددة، كشف عن عمق التجربة التي يتمتع بها الرجل وخبرته الواسعة في الشأن القانوني.
✦ وما إن وصلت إلى مطار الخرطوم حتى بدأت ملامح التحولات الكبيرة التي شهدتها العاصمة خلال السنوات الماضية تتكشف أمامي بصورة واضحة.
✦ فالحرب تركت آثارها على أجزاء واسعة من البنية التحتية والمرافق العامة، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو التقليل من حجمه.
✦ وفي عدد من المناطق ما تزال آثار الدمار ماثلة للعيان، شاهدة على مرحلة قاسية مرت بها البلاد بكل ما حملته من معاناة وتحديات.
✦ لكن الصورة لم تكن محصورة في مشاهد الخراب وحدها، فهناك مؤشرات عديدة تؤكد أن عجلة الحياة بدأت تدور من جديد.
✦ وقد لمست خلال جولاتي الميدانية في الأسواق والأحياء السكنية عودة تدريجية للنشاط الاقتصادي والاجتماعي.
✦ كما بدا واضحاً أن آلاف المواطنين عادوا لممارسة أعمالهم اليومية والسعي لاستعادة إيقاع الحياة الطبيعية.
✦ وتظل إرادة المواطنين في التمسك بالحياة والعمل والإنتاج واحدة من أبرز المشاهد التي تستحق التوقف عندها والتأمل فيها.
✦ فالخرطوم اليوم ليست مجرد مدينة خرجت من أتون الحرب، بل مدينة تحاول أن تعيد بناء نفسها بإرادة أبنائها وصبرهم.
✦ ومن أبرز التحديات التي تواجه المواطنين الارتفاع الملحوظ في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية.
✦ إذ أصبح الغلاء يشكل هاجساً يومياً للكثير من الأسر التي تسعى لتوفير احتياجاتها الأساسية وسط ظروف اقتصادية صعبة.
✦ كما تمثل تكاليف المواصلات عبئاً إضافياً على المواطنين، خاصة مع اتساع المسافات بين مناطق السكن والعمل والخدمات.
✦ وخلال جولتي لاحظت أن الحركة السكانية تبدو أكثر كثافة في مدينتي أم درمان وبحري مقارنة بمدينة الخرطوم.
✦ ويعكس ذلك تفاوت الظروف التي مرت بها المدن الثلاث خلال فترة الحرب وما بعدها.
✦ ومن الظواهر اللافتة كذلك الانتشار الملحوظ لقوات الشرطة بمختلف وحداتها في عدد من المواقع والتقاطعات الرئيسية.
✦ كما برز الدور الميداني لشرطة المرور في تنظيم حركة السير وتعزيز الانضباط المروري في الشوارع الرئيسية.
✦ ولاحظت كذلك تراجع المظاهر العسكرية في الطرقات العامة مقارنة بما كان عليه الحال خلال فترات سابقة، الأمر الذي يمنح المواطنين شعوراً أكبر بالاستقرار وعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها.
✦ وبين آثار الحرب ومشروعات التعافي، وبين مشاهد الدمار ومظاهر الأمل، تبقى الحقيقة الأبرز أن الخرطوم التي عدت إليها ليست الخرطوم التي غادرتها، لكنها مدينة تمتلك من الإرادة والصمود ما يؤهلها لتجاوز المحنة واستعادة مكانتها كعاصمة للحياة والعمل والأمل.

