كيف نجحنا في إضاعة سبعة عقود؟
✍🏼 د. الشاذلي عبداللطيف
“مشكلتنا لم تكن يوما في نقص الموارد، بل في وفرة الصراعات.”
عندما يدرس المؤرخون تجارب الأمم، فإنهم يبحثون عادة عن أسباب التقدم والنهضة والاستقرار. أما نحن، فقد قدمنا نموذجا مختلفا يستحق أن يدرس في كليات السياسة والاقتصاد تحت عنوان: كيف يمكن لدولة أن تمتلك معظم مقومات النجاح، ثم تقضي سبعة عقود في البحث عن أعذار مقنعة لعدم تحقيقه.
منذ عام 1956، تعاقبت الحكومات والأنظمة والشعارات، وتغيرت الوجوه واللافتات والخطب، لكن النتيجة بقيت ثابتة بصورة تستحق الاحترام. ففي عالم يتغير بسرعة مذهلة، نجحنا في الحفاظ على الأزمات نفسها جيلا بعد جيل، وكأنها جزء من التراث الوطني الذي يجب حمايته من الاندثار.
في السياسة، مارسنا الديمقراطية والانقلابات، والتوافقات والخلافات، والحوار والمقاطعة، وكل ما يمكن أن يخطر على بال علماء السياسة. جربنا تقريبا كل شيء، باستثناء الاتفاق على مشروع وطني مستدام. كان كل فريق سياسي يصل إلى السلطة وهو مقتنع بأنه يحمل مفاتيح الخلاص، ثم يغادرها تاركا خلفه مزيدا من الأقفال.
أما المعارضة، فلم تكن أقل حماسة. فقد كرست جزءا كبيرا من وقتها لإثبات أن الحكومة فاشلة، بينما كانت الحكومة تكرس وقتا مماثلا لإثبات أن المعارضة أخطر من الفشل نفسه. وبين الطرفين ظل الوطن واقفا على الرصيف، ينتظر من يتذكر أنه هو القضية الأصلية.
وبمرور الوقت، تحول الخلاف السياسي من وسيلة لإدارة التنافس إلى غاية قائمة بذاتها. لم نعد نختلف من أجل الوصول إلى حلول أفضل، بل أصبحنا نبحث عن حلول جديدة تضمن استمرار الخلاف. وهكذا ازدهرت صناعة الخصومات الوطنية حتى أصبحت القطاع الأكثر استقرارا في البلاد.
أما الاقتصاد، فقد كان الضحية الأكثر صبرا في هذه الحكاية الطويلة. فبينما كانت دول أخرى تبني المصانع والموانئ وشبكات الإنتاج، كنا نبني اللجان والتوصيات والخطط الخمسية والعشرية التي غالبا ما تنتهي صلاحيتها قبل أن تبدأ.
امتلكت البلاد أراضي زراعية شاسعة، وثروات معدنية ضخمة، وموقعا جغرافيا استراتيجيا، وموارد بشرية قادرة على الإنجاز. لكننا امتلكنا أيضا موهبة نادرة في تحويل الفرص إلى أزمات. فكل مشروع كبير كان يبدأ بخلاف سياسي، ثم يدخل في نزاع إداري، ثم يتعثر في صراع مصالح، حتى يصبح مجرد ذكرى تروى في الندوات والمؤتمرات.
ومن غرائب تجربتنا الوطنية أننا كنا نغير الحكومات أسرع مما نغير السياسات، ونغير الشعارات أسرع مما نغير الواقع. فكل حكومة تبدأ بإدانة سابقتها، ثم تنشغل بالدفاع عن نفسها أمام الحكومة التي ستأتي بعدها. وبين الإدانة والدفاع، ظل المواطن يدفع الفاتورة كاملة مع رسوم خدمة إضافية.
أما الموازنات العامة، فكانت أقرب إلى رسائل تفاؤل منها إلى وثائق اقتصادية. أرقام جميلة، ووعود أجمل، ثم واقع يصر في نهاية كل عام على عدم التعاون مع التوقعات الرسمية. حتى أصبح العجز المالي أكثر استقرارا من الاستقرار السياسي نفسه، وأصبحت الأزمات الاقتصادية تتعاقب بانتظام يجعلها أقرب إلى المواسم الوطنية.
لقد نجحنا، عبر سنوات طويلة من الاجتهاد الوطني المتواصل، في بناء اقتصاد سياسي فريد من نوعه، يقوم على استهلاك الطاقات في الصراع أكثر من استثمارها في البناء. ففي الوقت الذي كانت فيه أمم أخرى تنفق مواردها على الجامعات والبحث العلمي والبنية التحتية والصناعة، كنا ننفق أفضل عقولنا وأوقاتنا في معارك لا تنتهي حول من يحكم ومن يستحق ومن يملك الحقيقة الكاملة.
أصبح الخلاف عندنا قطاعا إنتاجيا قائما بذاته. فهو القطاع الوحيد الذي لم يعرف الركود، ولم يتأثر بالتضخم، ولم يحتج إلى دعم حكومي. بل كان يزدهر كلما تراجعت القطاعات الأخرى. وإذا كان الاقتصاديون يتحدثون عن الصناعات الاستراتيجية، فإننا نستحق براءة اختراع عالمية في صناعة الأزمات وإعادة تدوير الخصومات.
لقد تحولنا إلى وطن ينفق من رصيده السياسي والاجتماعي في إدارة الصراعات أكثر مما ينفقه في صناعة المستقبل. وطن يستهلك أفضل طاقاته في الخصومات، وأكثر موارده في الخلافات، وأغلى سنوات عمره في الدوران حول الأسئلة نفسها.
ومع ذلك، فإن المشكلة لم تكن يوما في قلة الإمكانيات، بل في غياب الرؤية والاستقرار والمؤسسات. فالدول لا تنهض بالموارد وحدها، بل بحسن إدارتها. ولا تبنى بالشعارات، بل بالسياسات الرشيدة. ولا تزدهر بالصراع، بل بالتوافق على المصالح الوطنية الكبرى.
ورغم كل ما مضى، فإن الأوطان لا تقاس فقط بما أضاعته من فرص، بل أيضا بما تملكه من قدرة على النهوض من جديد. فما زالت الموارد موجودة، وما زالت الكفاءات موجودة، وما زالت الفرصة قائمة لتصحيح المسار إذا توافرت الإرادة.
فالتاريخ لا يذكر كثيرا من انتصروا في المعارك الصغيرة، لكنه يخلد الذين بنوا الدول. ولعل أعظم انتصار نحتاجه اليوم ليس انتصار حزب على حزب، أو جماعة على جماعة، بل انتصار الوطن على كل ما أعاقه طوال سبعة عقود.
فليكن ما مضى درسا لا قدرا، ولتكن السنوات القادمة بداية جديدة لوطن يستثمر طاقاته في البناء أكثر مما يستهلكها في الصراع، ويصنع مستقبله بعقول أبنائه لا بخلافات

