*”ضربة قاضية”: المركزي يشنق المضاربة والدرهم في طريقه لكسر الـ1000 جنيه*
*بقلم: طارق شريف ساتي*
*رئيس التحرير – خاص لـ مجلة حواس*
منذ أسابيع، والشارع الاقتصادي يترقب بحذر. واليوم، تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى: بنك السودان المركزي لم يعد يدافع، بل يهاجم.
ضخ النقد الأجنبي لم يعد مجرد “تدخل لضبط السوق”، بل تحول إلى استراتيجية كاملة لإعادة هيكلة سوق الصرف من جذورها. والأرقام لا تكذب: استجابة كاملة لكل طلبات الاستيراد للقطاعين العام والخاص، بسعر 1220 جنيهاً للدرهم، وتصريح غير معلن باستمرار الضخ حتى يصل السعر إلى ما دون الـ1000 جنيه.
*أولاً: استعادة “زمام المبادرة” بالذهب والصمت*
الفرق الجوهري هذه المرة أن البنك المركزي لا يقف على أرضية هشة. هو يتكئ على احتياطي متين من الذهب والعملات الحرة، وعلى مصادر تمويل بدأت تؤتي ثمارها. لكن الأخطر من الاحتياطي نفسه، هو الأسلوب: “هدوء شديد، بلا إعلانات، وخطابات سرية للبنوك”.
هذه ليست سياسة بنك مركزي تقليدي. هذا أسلوب إدارة أزمة يدرك أن الضجيج الإعلامي في سوق هش، يتحول سريعاً إلى وقود للمضاربة. فاختار المركزي أن يضرب في صمت، وأن يترك السوق هو من يتحدث بالأرقام.
*ثانياً: نهاية وهم “الضخ المؤقت”*
أكبر رهان خاسر الآن هو رهان تجار السوق الموازي. جزء كبير منهم ما زال يحتفظ بالدولار والدرهم، على قناعة راسخة بأن ما يفعله المركزي “مؤقت” وسيتراجع قريباً كما حدث سابقاً.
لكن هذه المرة المعادلة مختلفة. الضخ ليس حدثاً عابراً، بل سياسة يومية. وكل يوم يمر، ينخفض فيه سعر الدرهم خطوة. وعندما يكسر السعر حاجز الـ1000 جنيه خلال أيام كما تشير كل المعطيات، سيدرك الكثيرون أنهم كانوا يحتفظون بـ”ورق خاسر”.
*ثالثاً: أسعار الموازي.. فقاعة مضاربة تلفظ أنفاسها*
ما يحدث في السوق الموازي الآن هو ببساطة “تسعير وهمي”. الأسعار الحالية لا تعبر عن عرض وطلب حقي، بل عن ذعر مضاربين يحاولون تصريف مخزونهم بأعلى سعر ممكن قبل الانهيار.
لذلك، نصيحة “التخلص اليوم قبل الغد” ليست مبالغة صحفية. هي قراءة اقتصادية باردة لمسار لا يمكن عكسه إلا بتوقف ضخ المركزي، وهو أمر لم تعد له مؤشرات.
*الخلاصة*
ما يقوم به بنك السودان المركزي هو أكثر من ضبط سعر صرف. هو محاولة لتأميم الثقة. الثقة بأن الجنيه له ظهر يحميه، وأن المضاربة لم تعد لعبة آمنة، وأن من يملك الذهب والقرار، يملك السوق.
السؤال الآن لم يعد: هل سينخفض السعر؟ السؤال هو: من سيتحمل فاتورة التأخر في الخروج من اللعبة؟

