ليلة أمدرمانية خالصة في الدوحة.. استعادة لذاكرة «الطريق الشاقي الترام»
الدوحة مجلة حواس
في واحدة من تلك الليالي التي ينتصر فيها الحنين على المسافات، وتغدو المدن البعيدة أقرب إلى القلب من أي وقت مضى، اجتمع أبناء السودان ومحبو أم درمان بالمركز الثقافي السوداني في العاصمة القطرية الدوحة، في أمسية استثنائية نظمتها رابطة أبناء أم درمان بدولة قطر احتفاءً بمدينة لا تزال تسكن الوجدان السوداني، وتختزل في سيرتها تاريخ وطن بأكمله.وقال عريف الندوة الدكتور صلاحً الحبو الذي أدارها
استُهلت الأمسية بكلمات استحضرت روح أم درمان وذاكرتها الجمعية، حيث افتتح العريف الندوة بإلقاء النشيد الخالد:
«أنا أم درمان، أنا السودان،
أنا الدرة البزين بلدي،
أنا البرعاك سلام وأمان،
وأنا الفداك يا ولدي…»
ثم انتقل بالحضور إلى فضاء آخر من وجدان المدينة عبر الأغنية الخالدة:
«طريت أم در… طريت ناسا،
وكيف أنساها وأتناسا،
أنا المفتون بظبى كناسا.»
واختار أن يهدي الحاضرين مفتاحاً آخر من مفاتيح أم درمان، مستحضراً كلمات ابنها البار البروفيسور علي المك، الذي ارتبط اسمه بالمدينة وخلّدها في كتابه «مدينة من تراب»، حيث يقول:
«سوف أتكلم عن أشياء كثيرة فيك وعنك… هذا الزقاق مثلاً، هناك مئات مثله أزقة… ولكنه زقاق والسلام.»
كما قرأ مقطعاً آخر من الكتاب:
«يا زائراً مدينتي… وليس فضة مفتاحها مدينتي، مفتاح مدينة من طين، خلاصة الخلاصة من طمي النيل ورمل الصحراء.»
وقال عريف الندوة إن هذه الكلمات ليست سوى أحد مفاتيح الدخول إلى عالم أم درمان، قبل أن يدعو إلى المنصة البروفيسور الصادق الهادي عبد الرحمن المهدي، الأستاذ المشارك واستشاري الأمراض الباطنية والقلب وزميل كلية الأطباء الملكية بإدنبرة، لتقديم محاضرته الموسومة «أم درمان… الطريق الشاقي الترام: النشأة والتاريخ».واضاف :
في محاضرته، اصطحب البروفيسور الصادق الهادي الحضور في رحلة تاريخية واجتماعية ثرية، استند فيها إلى أبحاثه المستقلة وإلى شهادات معاصرين لفترة نشأة أم درمان (البقعة)، العاصمة الوطنية التي ظلت عنواناً للهوية السودانية وذاكرتها الحية.
وقسّم المحاضر حديثه إلى ثلاث مراحل تاريخية؛ بدأ بأم درمان قبل العهد التركي، مستعرضاً الدلائل الأثرية التي تشير إلى استيطان الإنسان للمنطقة منذ عصور مبكرة، ثم تناول مرحلة الحكم التركي، قبل أن يصل إلى محطة أم درمان المهدية، التي شهدت التكوين الحقيقي للمدينة بوصفها عاصمة وطنية نابضة بالحياة.
وتوقف الباحث مطولاً عند مرحلة المهدية، متتبعاً نشأة الأحياء وتكوينها الاجتماعي وأصول تسمياتها، وكيف تحولت البقعة إلى مركز جذب للسودانيين من مختلف الأقاليم، لتتشكل فيها لوحة فريدة من التنوع الثقافي والاجتماعي، جعلت من أم درمان رمزاً مصغراً للسودان بكل تعدده وثرائه.
وفي فاصل غنائي أعاد للأذهان عبق المدينة، ألهب الفنان عبد الله الطاهر مشاعر الحضور بأغانٍ ارتبطت بوجدان أم درمان، فصدح بـ«طريت أم در… طريت ناسا»، ثم أتبعها بأغنية «قدلة يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الترام»، فتحولت القاعة إلى مساحة نابضة بالحنين، استدعت ذكريات المدينة وسحرها القديم.
وأعقب المحاضرة نقاش ثري ومداخلات نوعية من الحاضرين، أضافت إلى الأمسية أبعاداً جديدة من الذكريات والشهادات، وأسهمت في إثراء الحوار حول تاريخ المدينة ودورها في تشكيل الهوية الوطنية.
وشهدت الأمسية حضوراً مميزاً تقدمه سعادة السفير بدر الدين عبد الله، والقنصل حسن شريف، ورئيس رابطة الإعلاميين المخضرم بابكر عيسى، ورئيس رابطة القانونيين الدكتور عبد الباقي الجزولي، ورئيسة رابطة المرأة السودانية «سوا» الدكتورة حياة صلاح الدين خوجلي، إلى جانب الباحث والإعلامي والأديب الموسوعي الأمين البدوي كاكوم، ولفيف من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والمبدعين من أبناء الجالية السودانية في قطر، الذين ضاقت بهم جنبات القاعة، بينما اتسع لهم فضاء محبوبتهم أم درمان.
ولم تكن الندوة مجرد استعادة لتاريخ مدينة أو استحضار لذكريات بعيدة، بل جاءت احتفاءً بمعنى أم درمان ذاته؛ المدينة التي اختزلت السودان في جغرافيتها، وفي ناسها، وفي ثقافتها، وظلت، رغم تعاقب الأزمنة وتقلب الأحوال، فضاءً مفتوحاً للثورة والإبداع والتسامح والانتماء.
وقال د صلاح الحبو :
في ختام الأمسية، بدا واضحاً أن أم درمان ليست مجرد مدينة يُروى تاريخها، وإنما حالة وجدانية تسكن أبناءها أينما ارتحلوا، وذاكرة وطنية تستعصي على النسيان. فكلما ذُكرت، عادت الأزقة القديمة، وأصوات الباعة، وأناشيد الثورة، وعبق الطين بعد المطر، وعاد معها ذلك الخيط السري الذي يربط السودانيين بوطنهم الأول.
ولذلك لم يكن «الطريق الشاقي الترام» مجرد عنوان لمحاضرة، بل غدا استعارةً لمسيرة مدينة صنعت التاريخ، ولا تزال تصنع المعاني، وتلهم أبناءها أينما كانوا، لتبقى أم درمان، كما كانت دائماً، مدينةً تسكن الذاكرة، ويقيم الوطن في قلبها


