خضر إدريس طه.. حين يتحول المال إلى رسالة وطنية
بقلم: محمد عثمان الرضي
✦ في الأوقات العصيبة لا تُقاس قيمة الرجال بما يملكون من ثروات، وإنما بما يقدمونه لأوطانهم حين تضيق السبل وتتراجع الإمكانات، فالوطنية الحقيقية تُترجم إلى مواقف وأفعال، لا إلى شعارات وخطب.
✦ وقد أثبت القطاع الخاص السوداني في أكثر من محطة أنه شريك أصيل في تحمل المسؤولية الوطنية، وأنه يقف إلى جانب الدولة والمواطن كلما استدعت الظروف ذلك، إيماناً بأن استقرار الوطن مسؤولية جماعية.
✦ وفي ولاية كسلا برزت مبادرة تستحق التقدير والاحترام، عندما أعلن رجل الأعمال الشاب خضر إدريس طه عن الإسهام في مبادرة لإقراض وزارة المالية بالولاية مبلغ 20 تريليون جنيه لسداد متأخرات المعلمين.
✦ جاءت هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، بعد أن أصبحت متأخرات المعلمين تهدد استقرار العام الدراسي، وتنذر بتعطيل مسيرة التعليم ومستقبل آلاف الطلاب.
✦ ولم يكن الهدف من المبادرة تحقيق مكسب مادي أو سياسي، وإنما إنقاذ العام الدراسي والمحافظة على حق الطلاب في مواصلة تعليمهم دون انقطاع.
✦ إن التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم، وكل جهد يُبذل لحمايته هو في حقيقته استثمار في مستقبل السودان كله.
✦ ويعمل خضر إدريس طه في مجال صناعة الدقيق، ويمثل أحد الوجوه الشابة الناجحة في قطاع الأعمال، حيث يرتبط بتوكيل شركة روتانا لإنتاج الدقيق، أحد أهم السلع الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي.
✦ وقد أثبت أن النجاح في عالم المال لا يكتمل إلا إذا صاحبه إحساس عالٍ بالمسؤولية تجاه المجتمع.
✦ فعندما أدرك حجم الأزمة التي تواجه حكومة ولاية كسلا، لم يكتفِ بالمشاهدة أو التعليق، بل اختار أن يكون جزءاً من الحل.
✦ كما جاءت المبادرة بالتنسيق مع عدد من رجال الأعمال في القطاع الخاص، في صورة تعكس روح التكافل والعمل الجماعي.
✦ وهذا النموذج يؤكد أن القطاع الخاص ليس مجرد شريك اقتصادي، بل يمكن أن يكون شريكاً وطنياً في مواجهة الأزمات.
✦ واليوم يكتب خضر إدريس طه اسمه في سجل المبادرات الوطنية التي ستظل حاضرة في ذاكرة أبناء ولاية كسلا.
✦ وسيبقى لهذه المبادرة أثرها الكبير في الحفاظ على استقرار العملية التعليمية، وهي قضية تمس كل بيت سوداني.
✦ لقد تشرفت يوم الجمعة الماضي بلقاء والي ولاية كسلا اللواء معاش الصادق الأزرق في العاصمه القوميه الخرطوم ولمست عن قرب حجم الضغوط التي تواجه حكومته.
✦ كانت ملامح المسؤول تعكس حجم التحديات التي فرضتها الظروف الاقتصادية وتعقيدات المرحلة.
✦ ورغم ذلك، ظل الرجل متماسكاً، مؤمناً بأن تجاوز الأزمات يحتاج إلى تضافر الجميع.
✦ وقد جاءت مبادرة رجال الأعمال لتبعث برسالة أمل تؤكد أن المجتمع لا يزال قادراً على صناعة الحلول.
✦ وأثبت أهل كسلا مرة أخرى أنهم أهل شهامة ومروءة، وأنهم لا يسمحون بأن يضيع مستقبل أبنائهم.
✦ فالرهان على وعي المجتمع كثيراً ما يكون أكثر نجاحاً من الرهان على الإمكانات وحدها.
✦ أما خضر إدريس طه، فقد ظل بالنسبة لي نموذجاً لرجل الأعمال الذي يقدم العمل على الكلام.
✦ لم تتزعزع ثقتي فيه، ولم يتراجع إعجابي بشخصيته العملية الهادئة.
✦ ورغم أنني التقيته مرة واحدة فقط في مكتبه بمدينة كسلا، فإن ذلك اللقاء ترك لدي انطباعاً لا يزال راسخاً حتى اليوم.
✦ فقد وجدته رجلاً قليل الحديث، كثير الإنجاز، يؤمن بأن النتائج هي أفضل وسيلة للتعبير عن الأفكار.
✦ وهو من الشخصيات التي تفضل الابتعاد عن الأضواء، وتترك أعمالها تتحدث عنها.
✦ وهذه سمة نادرة في زمن أصبح فيه كثيرون يفضلون الضجيج الإعلامي على الإنجاز الحقيقي.
✦ كما يتمتع بقوة في اتخاذ القرار، وسرعة في تحمل المسؤولية عندما تستدعي الظروف ذلك.
✦ وربما يعود جانب كبير من هذه الصفات إلى التربية التي نشأ عليها، حيث غرس فيه والده، رحمه الله، قيمة قضاء حوائج الناس وخدمة المجتمع.
✦ إن المجتمعات لا تنهض بالحكومات وحدها، وإنما تنهض أيضاً برجال يؤمنون بأن خدمة الوطن واجب قبل أن تكون خياراً.
✦ وستظل هذه المبادرة مثالاً مضيئاً على أن الوطنية الصادقة تُصنع بالفعل، وأن العطاء المخلص يبقى حاضراً في وجدان الناس مهما تعاقبت السنوات.
✦ التحية لكل من جعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ولكل يد امتدت لتخفيف معاناة المواطنين، فالأوطان تبنى بسواعد المخلصين، وتزدهر بمبادرات الرجال الذين يحولون المسؤولية إلى عمل، والعمل إلى أثرٍ يبقى في ذاكرة التاريخ.

