كتارا تحتفي بالموسوعة الأهم في تاريخ الطب السوداني
د. طارق الهد يوثق نشأة النظام الصحي ويعيد قراءة تاريخ السودان من بوابة الطب
-موسوعة توثق قرناً من الطب السوداني وتسد فراغاً في المكتبة العربية
-وثائق بريطانية وسودانية تعيد رسم تاريخ الطب والصحة في السودان-
د. طارق الهد: تاريخ الطب هو تاريخ بناء الدولة السودانية
الدوحة – حسن أبو عرفات مجلة حواس
احتضنت مكتبة كتارا للرواية العربية بالدوحة ندوة علمية وثقافية احتفت بإطلاق موسوعة «تاريخ الطب والصحة في السودان» للدكتور طارق عبد الكريم الهد، في أمسية جمعت نخبة من الأطباء والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالتاريخ السوداني، وشهدت نقاشات واسعة حول القيمة العلمية للموسوعة، ودورها في توثيق أحد أكثر فصول التاريخ السوداني أهمية وإهمالاً.
وجاءت الندوة ضمن فعاليات نظمها عدد من زملاء الدكتور الهد ومحبيه بمناسبة تقاعده المرتقب من مؤسسة حمد الطبية، بعد سنوات طويلة من العطاء في الطب السريري والبحث العلمي.
وأدار الحوار الدكتور أمجد إبراهيم سلمان، رئيس رابطة الاطباء السودانيين بقطر الذي تولى ترجمة الكتابين إلى اللغة العربيةمع مجموعة من المترجمين ، مستعرضاً المسيرة العلمية للمؤلف، الذي يشغل درجة استشاري أول وأستاذ في طب الغدد الصماء والسكري، وتلقى تعليمه في كلية الطب بجامعة الخرطوم، قبل أن يواصل تخصصه في المملكة المتحدة ويحصل على الدكتوراه من جامعة دندي، إلى جانب الزمالات المهنية البريطانية، كما نشر أكثر من مائة بحث علمي في مجالات تخصصه.
وأكد الدكتور طارق الهد أن مشروعه البحثي استغرق سنوات طويلة من العمل في الأرشيفات البريطانية والسودانية، معتمداً على الوثائق الأصلية لإعادة كتابة تاريخ الطب السوداني وفق منهج علمي دقيق، موضحاً أن دراسته للدكتوراه العلمية أكسبته أدوات البحث والتوثيق والتحقق من المصادر، وهي المنهجية التي قامت عليها هذه الموسوعة.
بدايات النظام الصحي الحديث
وأوضح الدكتور الهد أن بدايات الخدمات الصحية الحديثة في السودان ارتبطت بالإدارة البريطانية عقب إعادة احتلال البلاد، حيث كان عدد الأطباء البريطانيين محدوداً، بينما اعتمدت الإدارة بصورة كبيرة على الأطباء السوريين الذين تولوا إدارة الخدمات الطبية في المديريات والأقاليم، إلى جانب عدد أقل من الأطباء المصريين، وهو ما أسهم في تأسيس اللبنات الأولى للنظام الصحي الحديث.
وأشار إلى أن تلك المرحلة شهدت تحديات جغرافية وبشرية كبيرة فرضت ابتكار حلول عملية لتوفير الخدمات الصحية في مختلف أنحاء السودان.
تجربة رائدة للمساعدين الطبيين
ومن أبرز المحاور التي تناولتها الندوة تجربة المساعدين الطبيين، التي وصفها الدكتور الهد بأنها من أنجح الابتكارات الصحية في السودان وأفريقيا.
وأوضح أن الفكرة طرحها الدكتور فنسنت هدسون عام 1918، وبدأ تنفيذها عملياً في بورتسودان عام 1920 قبل انتقالها إلى مستشفى أم درمان عام 1924، بهدف إعداد كوادر صحية قادرة على تقديم الخدمات العلاجية والوقائية في المناطق النائية، تحت إشراف الأطباء.
وأضاف أن نجاح التجربة دفع عدداً من الدول الأفريقية، مثل كينيا وتنزانيا، إلى تبني النموذج السوداني، الذي أصبح لاحقاً أحد أهم التجارب في مجال الرعاية الصحية الأولية.
مدرسة القابلات.. قصة نجاح مبكرة
وتوقف الحوار عند تأسيس مدرسة القابلات بأم درمان عام 1925، والتي جاءت بمبادرة بعد ملاحظة المخاطر التي كانت تتعرض لها النساء أثناء الولادة التقليدية.
وأوضح الدكتور الهد أن الأختين البريطانيتين جيرترود ماسي وولف وشقيقتها ماسي وولف أشرفتا على إنشاء المدرسة وتدريب القابلات السودانيات على أساليب الولادة الآمنة والتعقيم، مشيراً إلى أن البرنامج حقق نتائج ملموسة في خفض وفيات الأمهات والمواليد، وأصبح من أنجح برامج الصحة العامة في السودان.
ولفت إلى أن إدارة القابلات سبقت إنشاء مدرسة التمريض بخمس سنوات، وهو ما يعكس وضوح أولويات التخطيط الصحي آنذاك.
أول قومسيون طبي
كما استعرض الدكتور الهد إنشاء أول قومسيون طبي بمدينة وادي حلفا عام 1925 لفحص العمال المصريين القادمين إلى السودان للعمل في مشروع الجزيرة، حيث كشفت الفحوص إصابة نسبة منهم بالبلهارسيا، وتم إخضاعهم للعلاج أو إعادتهم إلى بلادهم عند الحاجة، في واحدة من أوائل تطبيقات الطب الوقائي في السودان.
مدرسة كتشنر
وأكد الدكتور الهد أن مدرسة كتشنر الطبية شكلت نقطة التحول الكبرى في تاريخ التعليم الطبي بالسودان، إذ أصبحت النواة التي خرجت أجيالاً من الأطباء وأسهمت لاحقاً في قيام كلية الطب بجامعة الخرطوم، موضحاً أن تطور الخدمات الصحية والتعليم الطبي والبحث العلمي سار جنباً إلى جنب في بناء الدولة الحديثة.
إشادة أكاديمية
وأشاد الدكتور الفاضل الملك، أول رئيس لرابطة الأطباء السودانيين في قطر، بالقيمة العلمية للموسوعة، مؤكداً أن توثيق تاريخ الطب يمثل جزءاً أصيلاً من حفظ الذاكرة الوطنية، وأن ما أنجزه الدكتور طارق الهد يعد خدمة كبيرة للأجيال القادمة.
من جانبه، قدم البروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة قطر، قراءة علمية للموسوعة، مؤكداً أنها لا تؤرخ للمؤسسات الصحية فحسب، بل تقدم رؤية متكاملة لتطور الدولة السودانية الحديثة من خلال الطب والتعليم الطبي والسياسات الصحية، معتمدة على قاعدة واسعة من الوثائق والمصادر الأولية.
وأضاف أن الموسوعة توثق لسير الرواد والإحصاءات والمؤسسات الصحية وقوائم الخريجين، ما يجعلها مرجعاً أساسياً للباحثين في التاريخ والطب والاجتماع وتاريخ العلوم.
الترجمة واللغة
وشهدت الندوة مداخلات لكل من الأديب والمترجم محمد سليمان الفكي الشاذلي، الذي تناول أهمية الترجمة بوصفها عملاً إبداعياً يحافظ على روح النص، مشيراً إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تزال عاجزة عن نقل الأبعاد الأدبية والثقافية للنصوص.
كما تحدث الدكتور محمد عبد العليم مؤيداً هذه الرؤية، فيما استعرض المدقق اللغوي محمد الأمين (كاكوم) تجربته في مراجعة الجزء الثاني من الموسوعة، مشيداً بدقتها العلمية وسلاسة أسلوبها.
شكر للمشاركين
وفي ختام الندوة، وجه المنظمون الشكر إلى مكتبة كتارا للرواية العربية ومديرها الأستاذ خالد المهندي على استضافة الفعالية، وإلى الدكتورة تيسير محمد حسين على جهودها في الإعداد والتنظيم، كما أشادوا بدور رابطة الأطباء السودانيين في قطر في إنجاح الندوة، وبجهود المهندس مصطفى النجومي الذي تولى توثيق الندوة كاملة لإتاحتها للباحثين والمهتمين.
وأكد المشاركون أن موسوعة «تاريخ الطب والصحة في السودان» تمثل إضافة نوعية للمكتبة السودانية والعربية، إذ توثق لمسيرة امتدت لأكثر من قرن من الزمان، وتقدم قراءة علمية لتطور الطب والتعليم الطبي والصحة العامة، لتصبح مرجعاً أساسياً في دراسة تاريخ السودان الحديث، ودليلاً على أن بناء الدولة يبدأ دائماً ببناء الإنسان ومؤسساته العلمية والصحية


