بسم الله الرحمن الرحيم
تصاعد العنف وتآكل القيم وأثره على مستقبل الدولة السودانية
د.أمل البكري البيلي
عبر التاريخ البشري، لم تكن الحرب مجرد حدث عسكري أو مواجهة مسلحة، بل ظاهرة اجتماعية شاملة تخلّف آثارًا عميقة تتجاوز الدمار المادي المباشر. ففي حين تبدو الخسائر الفورية للحروب ـ من قتلٍ وإصاباتٍ وإعاقاتٍ ونزوحٍ واسع النطاق ـ واضحةً ومؤلمة، فإن التأثيرات الأعمق والأطول أمدًا، المرتبطة بتفكك النسيج الاجتماعي وتحول المنظومات القيمية، غالبًا ما لا تُدرك إلا بعد مرور زمن طويل. وعندما تتعرّض مجتمعات بأكملها لأهوال الصراع المسلح، فإن التراكم المستمر للصدمات والخسارات لا يقتصر على إحداث اختلالات مؤقتة، بل يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية المجتمع ذاته، وقيمه، وأنماط سلوكه، بما قد تمتد آثاره عبر أجيال متعاقبة.
تمثّل الحرب السودانية حالة بالغة التعقيد في هذا السياق، إذ تُعدّ نموذجًا صارخًا لدراسة كيفية تأثير النزاعات المسلحة على التركيبة الاجتماعية، وعلى الأطر الأخلاقية والمعنوية للمجتمع. فكلما طال أمد الحرب، تعمّقت آثارها، وكلما تغلغلت هذه الآثار في الحياة اليومية، بات من الصعب العودة إلى ما كان يُعرف بـ«الوضع الطبيعي» أو إلى أنماط الحياة السابقة على اندلاع الحرب في أبريل 2023. ذلك أن النفسية الجماعية التي تعيش تحت وطأة العنف المستمر، والخسارات المتلاحقة، والتهديد الدائم، تدخل في حالة من التحول والصراع الداخلي، يُعاد خلالها تعريف الهياكل الاجتماعية
التقليدية، وتتفكك أنماط الضبط القيمي التي كانت تضبط العلاقات والسلوكيات.
لقد تحولت البلاد إلى فضاء عنيف أصبحت فيه العمليات العسكرية شبه اليومية جزءًا من التجربة المعيشة، لا حدثًا استثنائيًا. ومن أبرز النتائج المباشرة لهذه الحرب التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، حيث خُنق الاقتصاد الوطني، واتسعت رقعة الفقر، وتعاظم الشعور الجمعي باليأس والعزلة في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع الإنسانية. وقد دفع ذلك ملايين السودانيين إلى الهروب من هذا الواقع القاسي عبر موجات نزوح ولجوء محفوفة بالمخاطر.
إن التأثير التراكمي للتعرض لأنماط متعددةمن العنف ، مقرونًا بمستويات غير مسبوقة من التوحش والانتهاكات الواسعة، أسهم في إضعاف البنية الاجتماعية السودانية منذ إندلاع حرب أبريل. حيث اتخذت هذه الحرب طابعًا أكثر تدميرًا، واتسمت بسمات إبادية واضحة، ودفعت البلاد إلى مرحلة جديدة من العنف الشامل والانهيار المادي والمعنوي، لم يشهد السودان لها مثيلًا في تاريخه الحديث.
ويمكن القول، دون مبالغة، إن هذه الحرب التي ترقى في كثير من مظاهرها إلى مستوى الإبادة الجماعية، تُعدّ واحدة من أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين، حيث بلغ عدد القتلى مايزيد عن 150 ألف قتيل منذ اندلاعها، هذا الرقم الصادم لا يعكس مجرد إحصاء عددي، بل يجسّد حجم المأساة الإنسانية الهائلة، إذ أدت الخسارة الجماعية للأرواح في فترة زمنية قصيرة نسبيًا إلى تدمير آلاف الأسر، وتمزيق شبكات العلاقات الاجتماعية، وخلق فراغ إنساني ونفسي مرشح للاستمرار عبر أجيال، بفعل الصدمة الجماعية والحزن الممتد والحرمان العاطفي.
إلى جانب ذلك، تسببت الحرب في تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، شمل المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات، وحوّل مناطق شاسعة إلى فضاءات غير صالحة للحياة. فقد جرى قصف وتدمير أحياء كاملة، ما ترك الملايين بلا مأوى. ووفق توصيف الأمم المتحدة، فإن مستوى الدمار المادي الذي شهده السودان يُعدّ غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. هذا الدمار لا يعني فقط تحطيم الحجر، بل يمثل محوًا مباشرًا للبيئة التي كانت تُدار فيها الحياة اليومية، وللمؤسسات والمعالم التي شكّلت العمود الفقري للوجود الاجتماعي.
إن تدمير الأحياء وتشريد سكانها لا يطال الترتيبات المعيشية المادية فحسب، بل يمتد ليصيب الهوية والذاكرة الجماعية في الصميم. ففي السياق السوداني، ترتبط المنازل والأحياء والمجتمعات المحلية ارتباطًا وثيقًا بالهوية الشخصية والجماعية، ويعني محو هذه الفضاءات «اقتلاعًا» قسريًا للذاكرة، وتفكيكًا لشكل الحياة الذي كان قائمًا قبل الحرب. هذا التحول العنيف في المشهد الاجتماعي وطرائق العيش والتفاعل والبقاء يؤدي بالضرورة إلى تعطيل تداول القيم والأعراف والتقاليد الاجتماعية التي كانت تضبط السلوك الجمعي.
ويُعدّ تصاعد العنف أحد أخطر النتائج الاجتماعية لهذه التحولات. فتدمير الأحياء وتشريد السكان يؤدي غالبًا إلى تفكيك الشبكات المجتمعية التي كانت توفر سابقًا التماسك والدعم والرعاية، ما يُضعف قدرة المجتمع على فرض القيم أو الحفاظ عليها. ويتفاقم هذا الوضع في ظل تمزق الحياة الأسرية بفعل القتل والاعتقال والنزوح، وهو ما يخلق بيئة خصبة لانتشار السلوكيات العنيفة، بما في ذلك العنف الأسري، والسرقة، والقتل.
تشير دراسات علمية حديثة إلى أن التعرض المكثف للحرب يزيد من قابلية الأفراد لتبني العنف كوسيلة لحل النزاعات، إذ كلما ارتفع منسوب الضغط والصدمات النفسية، زادت احتمالية تبرير العنف أو ممارسته. كما تُظهر أبحاث أخرى أن العنف الأسري، الذي تتحمل النساء العبء الأكبر من تبعاته، يشهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال الحروب وبعدها، في ظل تفكك الهياكل المجتمعية ،وتراجع آليات المساءلة.
وتُعدّ النساء والفتيات من أكثر الفئات تضررًا من هذه الحرب، سواء من حيث العنف المباشر أو من حيث الأعباء غير المرئية. فمع انهيار الأنظمة الاجتماعية والقانونية، تصبح النساء أكثر عرضة للتعنيف والاستغلال، خاصة في ظل الصدمات النفسية والتشرد وتطبيع العنف في الفضاء العام. ويتفاقم هذا الوضع مع وجود أعداد كبيرة من المعتقلين الذين تعرضوا لتعذيب شديد وانتهاكات جنسية وصدمات نفسية داخل ما يمكن توصيفه بدقة أكبر بـ«معسكرات تعذيب»، وهي تجارب تترك ندوبًا نفسية عميقة قد تتحول، في غياب التأهيل والعلاج، إلى سلوكيات عنيفة داخل الأسرة والمجتمع.
وفي هذا السياق، حذّرت تقارير أممية من تصاعد مخاطر الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي للنساء على يد قوات الدعم السريع، وما يترافق مع ذلك من عنف جنسي وإذلال واستعباد. ورغم كل ذلك، تستمر النساء في تحمّل أعباء الرعاية وإدارة الأسرة، وتولي أدوار جديدة في ظل غياب الرجال بسبب القتال أو القتل أو الاعتقال، وهو ما يفرض عليهن أعباء نفسية وجسدية هائلة.
أما الأطفال الذين نشأوا في هذا السياق العنيف، وكثيرٌ منهم فقد أحد والديه أو كليهما ، فإنهم يعيشون تحت وطأة صدمة مركبة ستنعكس على صحتهم النفسية، ونظرتهم للحياة، وقدرتهم على بناء علاقات اجتماعية مستقرة، بما يعني أن آثار الحرب ستظل ممتدة
طويلًا بعد توقف القتال.
في ظل هذا الدمار الشامل، يصبح من المنطقي توقّع تآكل القيم الأخلاقية، أو على الأقل فقدانها لقدرتها على الإقناع بالنسبة لكثير من الأفراد. فحين يُترك الناس عرضة للقتل والنهب والتجويع والنزوح، يتعزز الشعور بالعدمية وفقدان المعنى، وتتآكل الثقة في المؤسسات السياسية والدينية والمجتمع الدولي. وقد يقود ذلك إلى الانكفاء الاجتماعي، أو إلى تعزيز النزعات القبلية بوصفها ملاذًا للحماية والدعم في مواجهة الفوضى.
غير أن هذا التحول لا يخلو من مفارقات. فبينما قد تؤدي الحرب إلى تفكك القيم وتآكل التماسك الاجتماعي، تشير بعض الدراسات إلى إمكانية نشوء أشكال جديدة من التضامن والتعاون بين ضحايا العنف، وإلى فرص محتملة لإعادة تقييم الأدوار الإجتماعية، وتمكين النساء، وتعزيز المشاركة السياسية والنقدية في مرحلة ما بعد الحرب.
إن مستقبل القيم والنسيج الاجتماعي في السودان سيظل رهينًا بتوفر شروط حاسمة، في مقدمتها إنهاء الحرب، والمساءلة، وجبر الضرر، وإعادة الإعمار المادي والنفسي، وإرادة سياسية ومجتمعية موحدة قادرة على استعادة الثقة وفتح أفق لتعافٍ مجتمعي شامل. كما يشكّل الإحياء الثقافي واستعادة الذاكرة الجماعية عنصرين أساسيين في أي مشروع لإعادة بناء المجتمع بعد هذه المأساة التاريخية.
إعادة إنتاج العنف وأثره على مستقبل الدولة السودانية
تشير الأدبيات السوسيولوجية الكلاسيكية والمعاصرة إلى أن العنف، في سياقات الحرب ، لا ينتهي بانتهاء الفعل العسكري، بل يعيد إنتاج نفسه عبر آليات اجتماعية وقيمية ومؤسسية . ففي الحالة
السودانية، أسهمت هشاشة الدولة، وغياب المساءلة، وسيولة القيم في تحويل العنف إلى ممارسة اعتيادية، تُستخدم لإدارة الخلافات وإعادة ترتيب موازين القوة.
تلعب معسكرات الاعتقال دورًا مركزيًا في هذه العملية، إذ تعمل كمساحات لإعادة تشكيل الأفراد نفسيًا وأخلاقيًا، وتكريس منطق القوة باعتباره المرجعية الوحيدة الممكنة. ومع استمرار الإفلات من العقاب، يتحول العنف إلى سلوك قابل للتكرار والانتقال عبر الأجيال.
تؤكد دراسات الذاكرة والعدالة الانتقالية أن التجارب الاعتقالية والتعذيبية تترك آثارًا طويلة المدى تتجاوز الضحايا المباشرين لتطال المجتمع ككل . ففي غياب الاعتراف والمساءلة، تتحول الذاكرة إلى عبء جماعي يغذي مشاعر الغبن والرغبة في الانتقام، ويُضعف إمكانات المصالحة الوطنية.
يهدد استمرار إعادة إنتاج العنف مستقبل الدولة السودانية على مستويات متعددة. فعلى المستوى السياسي، يقوض العنف المتكرر أي محاولة لبناء شرعية مستقرة. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتآكل الرأسمال الاجتماعي. أما على المستوى القيمي، فيرسخ حالة السيولة الأخلاقية، ويُضعف المرجعيات الجامعة الضرورية لبناء دولة ما بعد الحرب.
إن كسر دائرة العنف يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية، وتشمل العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء المنظومة القيمية. ويُعد هذا المسار شرطًا لازمًا لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مستدامة من أجل مستقبل افضل لهذا الجيل والأجيال القادمة.

