“ جدران زلقة “ للمؤلفة آمنة الفضل تتحول لمنصة أدبية وإنسانية لاستعادة ذاكرة الحرب
حينما تلقيت دعوة من مكتبة كتارا للرواية العربية وذاتها من الصديقة أمنة الفضل مؤلفة الرواية القيت بعض ارتباطاتي تعطشا لاستجمام فما بال المنصة ازدانت بقامتين نسائية امنة الفضل وتيسير محمد حسن ، والحضور مميزا ثقافي ودبلوماسي تقدمه السفير بدر الدين عبد الله، وأعضاء سفارته عبدالحكيم جعفر وحسين شريف ، وشرفها الاستاذ خالد المهندي مدير المكتبة والإعلامي منير الطباع والمحب لاهل السودان عبدالعزيز الملا والقانوني الاديب أمين خير ونخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين من أصدقاء مكتبة كتارا ومتابعي فعالياتها المنتقاءة.
الندوة لم تتعامل مع الرواية بوصفها عملاً إبداعياً فحسب، بل كوثيقة أدبية تؤرخ لإحدى أكثر المراحل قسوة في التاريخ السوداني الحديث، إذ قدمت قراءة معمقة في الكيفية التي استطاعت بها الكاتبة أن تحول الألم الجماعي إلى نص روائي ينبض بالحياة، ويجعل من الإنسان محوراً للسرد، ومن معاناته القضية الأساسية التي تدور حولها الأحداث.
ودمجت آمنة المتخصصة في علم النفس، من خبرتها العلمية في بناء شخصيات الرواية، حيث بدت نابضة بالحياة، تحمل جراحها الداخلية، وتعكس بصدق ما تخلفه الحروب من صدمات نفسية وانكسارات إنسانية، ليس على الأفراد فحسب، وإنما على المجتمع بأسره.
رواية «جدران زلقة» لم تروِ الحرب من خلال أصوات البنادق أو خرائط المعارك، وإنما من داخل البيوت المهدمة، و ذاكرة الأطفال، وقلق الأمهات، ووجع النازحين، وصمت المدن التي فقدت ملامحها. فجاءت تفاصيلها وإيحاءاتها لتعيد الاعتبار للإنسان الذي غالباً ما يغيب عن عناوين الأخبار، وتضع القارئ أمام الثمن الحقيقي للحرب بعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية.
ورسمت الرواية صورة بالغة التأثير للعاصمة القومية الخرطوم، التي كانت رمزاً للحياة والتعليم والثقافة والتنوع وقديما “خرطوم الالات الثلاثة ” وعاصمة النيلين قبل أن تتحول لمدينة مثقلة بالخراب والأوجاع الإنسانية ، أصابت الحرب أحياءها السكنية، ومؤسساتها الحكومية، وجامعاتها، ومستشفياتها، وأسواقها، لتصبح شاهداً على حجم الدمار الذي أصاب البلاد.
امتد السرد لمدن أخرى، كاشفاً حجم الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الاستراتيجية والاقتصادية، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه، والمرافق الصحية، والمؤسسات التعليمية، والجسور والمصانع والأسواق، الأمر الذي أدى لتعطيل عجلة الاقتصاد، وتفاقم الأزمة الإنسانية، واتساع رقعة النزوح واللجوء.
الحرب تهدم الإنسان قبل الحجر
وأبرزت الرواية أن أخطر ما خلفته لم يكن انهيار المباني، بل تصدع العلاقات الإنسانية والنسيج الاجتماعي، فرقت بين الأسر، وقطعت أوصال المدن، وأجبرت الملايين على مغادرة منازلهم، ليعيشوا تجربة النزوح واللجوء بكل ما تحمله من عذابات فقد واغتراب وعدم يقين.
أدفق الحضور آهاتهم وتفاؤلهم لان قيمة الرواية تكمن في قدرتها على تحويل المأساة لذاكرة مكتوبة، تحفظ تفاصيل الحياة اليومية في زمن الحرب، وتمنح الأجيال المقبلة فرصة لفهم ما جرى بعيداً عن الروايات السياسية المتباينة، مؤكدين أن الأدب يظل أحد أكثر الوسائل قدرة على توثيق الوجدان وصون ذاكرة الشعوب.
إشادة بالسرد الإنساني
وأشاد السفير لدى دولة قطر بدر الدين عبد الله بالرواية، مؤكداً أنها استطاعت أن تشخص معاناة الشعب ، وأن تقدم صورة صادقة لتداعيات الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، مشدداً على أن الشعب السوداني، رغم حجم المحنة، قادر على تجاوز آثار الحرب وإعادة بناء وطنه على أسس السلام والاستقرار والتنمية.
من جانبه، رحب الأستاذ خالد المهندي بالحضور ، مشيداً بالدور الذي تؤديه الجاليات العربية في إثراء المشهد الثقافي الذي تحتضنه مكتبة كتارا للرواية العربية، ومؤكداً أهمية استضافة الأعمال الأدبية التي تعزز الحوار الثقافي، وتفتح آفاقاً جديدة لفهم التحولات التي تشهدها المجتمعات
وشهدت الجلسة نقاشات نقدية ثرية تناولت البنية الفنية للرواية، وأسلوبها اللغوي، وتقنياتها السردية، ورمزيتها، وقدرتها على الموازنة بين التوثيق والإبداع، حيث أجمع المشاركون على أن «جدران زلقة» لا تكتفي برصد وقائع الحرب، وإنما تعيد صياغتها في قالب أدبي يجعل القارئ شريكاً في الألم، ويمنحه فرصة للتأمل في معنى الوطن، والانتماء، والذاكرة، والسلام.
وأكدوا أن الرواية تندرج ضمن أدب الحروب الذي لا يكتفي بوصف المأساة، بل يسعى لمقاومة النسيان، وتوثيق اللحظات المفصلية في تاريخ الشعوب، لتبقى شاهداً على ما جرى، ورسالة ثقافية تدعو لنبذ العنف، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن «جدران زلقة» تمثل إضافة مهمة للرواية السودانية المعاصرة، وأنها استطاعت أن توظف الأدب بوصفه فعلاً للمقاومة الإنسانية، يحفظ ذاكرة الوطن، ويعيد الاعتبار للإنسان في مواجهة الحرب، ويؤكد أن الكلمة الصادقة تبقى أحد أكثر الأسلحة قدرة على الانتصار للحقيقة والسلام .
ولم تبخل المؤلفة بدفق أبيات شعرية وحازت قصيدتها باللهجة السودانية علي استحسان الحضور كجلسات ” الجبنة ” وبخور اللبان التي تحسن المزاج وترفع هرمون السعادة فشكرا بنت الفضل ذات المواهب الفارعة ما بين علم النفس للرواية للشعر .
عواطف عبداللطيف
Awatifderar1@gmail.com


