حمد بن خليفة.. مهندس نهضة قطر وصانع حضورها العالمي
الدوحة حسن ابوعرفات
ليست كل الدول محظوظة بقادة يغيّرون مسار تاريخها، وليست كل المراحل التاريخية تنجب رجالاً يمتلكون القدرة على تحويل الأحلام إلى واقع، والرؤى إلى منجزات. وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تفقد قطر أحد أبرز صناع نهضتها الحديثة، ورجلاً ارتبط اسمه بمرحلة شكلت نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً ودولياً.
حين تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قيادة البلاد عام 1995، كانت المنطقة والعالم يشهدان تحولات متسارعة، وكان يدرك أن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكاً للموارد فحسب، بل للأقدر على استثمارها وتوظيفها في بناء الإنسان وتعزيز مكانة الدولة. ومن هنا بدأت رحلة التحول الكبرى التي نقلت قطر من دولة واعدة إلى دولة مؤثرة وفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي.
كان الاقتصاد هو نقطة الانطلاق الأساسية في مشروعه الوطني. فقد امتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجاه ثروة الغاز الطبيعي الهائلة التي تختزنها قطر في حقل الشمال. وبينما كانت دول كثيرة تنظر إلى مواردها الطبيعية باعتبارها مصدر دخل مؤقت، نظر إليها الشيخ حمد باعتبارها رافعة لبناء دولة المستقبل. فجاء القرار التاريخي بتطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال واستثمارها على نطاق عالمي، لتتحول قطر خلال سنوات قليلة إلى قوة طاقة عالمية، وإلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، وتصبح نموذجاً اقتصادياً يشار إليه بالبنان.
لكن نجاح التجربة القطرية لم يكن وليد الثروة وحدها، وإنما نتاج رؤية متكاملة لإدارة تلك الثروة. فقد أعيد توظيف العائدات النفطية والغازية في بناء بنية تحتية حديثة، وتطوير الموانئ والمطارات وشبكات الطرق، وإنشاء المدن الجديدة، وتحديث الخدمات العامة، والاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي. وهكذا أصبحت التنمية مشروعاً وطنياً شاملاً، لا مجرد أرقام في تقارير النمو الاقتصادي.
وفي السياسة، تبنى الأمير الوالد نهجاً يقوم على الحضور الفاعل لا الانتظار، وعلى المبادرة لا رد الفعل. فشهدت قطر في عهده انفتاحاً دبلوماسياً واسعاً، وأصبحت الدوحة عاصمة للحوار والوساطة، ومقصداً للقاءات السياسية الدولية، ومنصة لإيجاد حلول للعديد من النزاعات الإقليمية. ونجحت الدولة في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة، عززت مكانتها واحترامها في المجتمع الدولي.
أما في المجال الإعلامي، فقد أدرك الشيخ حمد مبكراً أن التأثير في عالم اليوم لا يصنعه الاقتصاد وحده، بل تصنعه أيضاً قوة الرسالة الإعلامية وقدرتها على الوصول إلى العالم. لذلك شهدت قطر نهضة إعلامية غير مسبوقة جعلتها مركزاً رئيسياً للإعلام العربي والدولي، بإطلاق قناة الجزيره وشبكة التلفزيون العربي أسهمت في توسيع دائرة حضورها وتأثيرها خارج حدودها الجغرافية.
لقد كان مشروع الشيخ حمد يقوم على فكرة جوهرية مفادها أن الدولة الحديثة لا تُبنى بالاعتماد على عنصر واحد، بل على تكامل الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والثقافة. ولذلك جاءت إنجازاته متشابكة ومترابطة، بحيث أصبح كل نجاح في مجال معين داعماً لنجاح آخر في مجال مختلف.
ومن بين المحطات التي ستظل راسخة في الذاكرة السياسية العربية، قراره التاريخي بتسليم السلطة طوعاً إلى نجله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013. فقد قدم بذلك نموذجاً حضارياً في تداول المسؤولية واستمرارية المؤسسات، مؤكداً أن قوة الدولة تكمن في استدامة مشروعها الوطني لا في ارتباطه بالأفراد.
واليوم، بينما يودع القطريون والعرب والعالم الأمير الوالد، فإنهم يستحضرون سيرة قائد لم يكتف بإدارة دولة، بل أسهم في إعادة تعريف دورها ومكانتها. فقد ترك خلفه اقتصاداً قوياً، ومؤسسات راسخة، وحضوراً دولياً مؤثراً، وإرثاً سيظل حاضراً في مسيرة قطر لعقود طويلة قادمة.
إن الحديث عن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليس حديثاً عن مرحلة انتهت، بل عن مشروع مستمر، وعن رؤية ما تزال آثارها تتجسد في كل إنجاز تحققه قطر، وفي كل موقع متقدم تتبوأه بين دول العالم.
رحل الأمير الوالد، لكن بصماته باقية في ملامح الدولة الحديثة التي أسهم في بنائها، وسيظل اسمه محفوراً في ذاكرة الوطن باعتباره أحد أبرز القادة الذين صنعوا التحول، ورسخوا النهضة، ووضعوا قطر على خريطة التأثير العالمي.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

