حواس»… عندما تصبح الصحافة اقتصادًا آخر للوطن
حسن ابوعرفات من الدوحةً
ليست كل صحيفة تُقرأ، وليست كل مجلة تُقتنى، فهناك مطبوعات تنتهي صلاحيتها بانتهاء يوم صدورها، وأخرى تتحول إلى وثيقة تؤرخ لمرحلة، وشاهد على عصر، ومرجع لفهم التحولات التي مرت بها الأوطان. ومن هذه الفئة الأخيرة تأتي مجلة حواس الاقتصادية، التي لم تكتف بأن تكون مجلة متخصصة، بل صنعت لنفسها مكانة استثنائية في تاريخ الإعلام الاقتصادي السوداني، حتى غدت جزءًا من ذاكرة الاقتصاد الوطني، ومن أرشيف التحولات الكبرى التي شهدها السودان والمنطقة.
في عالم اليوم، لم يعد الإعلام الاقتصادي ترفًا فكريًا، ولا نافذة للأخبار المالية فحسب، بل أصبح أحد مكونات البنية الاقتصادية للدول. فكما تحتاج التنمية إلى سياسات رشيدة، ومؤسسات مالية قوية، وتشريعات جاذبة للاستثمار، فإنها تحتاج أيضًا إلى إعلام اقتصادي محترف يفسر الأرقام، ويقرأ الاتجاهات، ويقرب المسافات بين صانع القرار والمستثمر والمواطن.
من هنا، يمكن فهم القيمة الحقيقية لتجربة “حواس”.
لقد ولدت المجلة في بيئة لم تكن الصحافة الاقتصادية فيها تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. كانت السياسة تستحوذ على العناوين، بينما يُزاح الاقتصاد إلى الصفحات الداخلية، رغم أنه المحرك الحقيقي لحياة الشعوب. لكن “حواس” اختارت الطريق الأصعب؛ أن تجعل الاقتصاد خبرًا أول، والاستثمار قضية رأي عام، والتنمية مشروعًا إعلاميًا يوميًا.
وهذا في حد ذاته كان قرارًا استراتيجيًا، لا مجرد خيار مهني.
لم تكن المجلة تنقل أخبار البنوك، أو تنشر بيانات الوزارات، أو تتابع أسعار العملات والذهب فحسب، بل كانت تطرح السؤال الذي يغيب غالبًا عن الصحافة اليومية: إلى أين يمضي الاقتصاد؟ وما الذي ينبغي أن نفعله ليصبح أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر جذبًا للاستثمار، وأكثر عدالة في توزيع الفرص؟
هذه هي الصحافة التي تصنع الوعي، لا التي تكتفي بنقل الحدث.
إن أعظم ما أنجزته “حواس” أنها أعادت الاعتبار للثقافة الاقتصادية في السودان. فقد أدركت مبكرًا أن التنمية لا تبدأ من وزارة المالية، ولا تنتهي عند البنك المركزي، وإنما تبدأ من وعي المجتمع بقيمة الإنتاج، واحترام رأس المال الوطني، وإدراك أهمية الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والابتكار.
فالاقتصاد في جوهره ليس أرقامًا جامدة، بل هو قصة الإنسان مع التنمية، وقصة الوطن مع المستقبل.
لقد أسهمت المجلة في تحويل الاقتصاد من لغة مغلقة يتداولها الخبراء إلى خطاب عام يفهمه رجال الأعمال والطلاب والموظفون وصناع القرار، فكسرت الحاجز النفسي الذي كان يفصل المواطن عن الاقتصاد، وجعلت القضايا الاقتصادية جزءًا من النقاش الوطني.
ولعل هذا هو الإنجاز الذي لا تقاس قيمته بالأرقام.
ومن يتأمل مسيرة “حواس” يدرك أنها لم تكن مجرد وسيط إعلامي بين المؤسسات الاقتصادية والجمهور، بل كانت في كثير من الأحيان منصة للحوار الوطني حول التنمية، ومختبرًا للأفكار، وبيت خبرة إعلاميًا يلتقي عنده الاقتصاديون والمصرفيون والمستثمرون وأصحاب القرار.
لقد كانت المجلة تدرك أن الاقتصاد لا ينمو بالصمت، وإنما بالحوار، ولا يتطور بالشعارات، وإنما بالنقد المسؤول، ولا يجذب المستثمرين إلا إذا وجد إعلامًا يقدم الحقائق كما هي، بعيدًا عن التهويل أو التجميل.
ولذلك اكتسبت احترام مختلف الأطراف، لأنها لم تكن طرفًا في الصراع، بل كانت منحازة فقط إلى الحقيقة والمصلحة الوطنية.
وإذا كانت المؤسسات الاقتصادية تُقاس بما تضيفه إلى الناتج المحلي، فإن المؤسسات الإعلامية تُقاس بما تضيفه إلى الوعي الوطني. وفي هذا الميزان، استطاعت “حواس” أن تضيف رصيدًا كبيرًا من المعرفة الاقتصادية، وأن تؤسس لذاكرة مهنية ستظل مرجعًا لكل من يدرس تطور الاقتصاد السوداني خلال العقدين الأخيرين.
ولم تقف المجلة عند حدود السودان، بل فتحت نوافذ واسعة على الاقتصادين العربي والعالمي، فتابعت تحولات أسواق الطاقة، والتجارة الدولية، والاستثمار، والاقتصاد الرقمي، والثورة الصناعية الرابعة، وربطت القارئ السوداني بما يجري خارج حدوده، لأن الاقتصادات الحديثة لم تعد جزرًا معزولة، وإنما أجزاء من منظومة عالمية مترابطة.
وقد أثبتت الأحداث الكبرى، من الأزمات المالية العالمية إلى جائحة كورونا، ثم الحرب التي عصفت بالسودان، أن الإعلام الاقتصادي ليس رفاهية، بل هو أحد عناصر الأمن الوطني. ففي أوقات الأزمات، تصبح المعلومة الاقتصادية الدقيقة جزءًا من استقرار الأسواق، وركيزة لحماية الثقة، وأداة لمقاومة الشائعات التي قد تكون أشد فتكًا من الأزمات نفسها.
ومن هنا، فإن استمرار “حواس” طوال هذه السنوات لا يُعد نجاحًا لمجلة فحسب، بل انتصارًا لفكرة الإعلام المتخصص، وانتصارًا للإيمان بأن الصحافة يمكن أن تكون شريكًا في التنمية، لا مجرد ناقل لأخبارها.
لقد أثبتت التجربة أن المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تُبنى بالإمكانات وحدها، وإنما بالرؤية، والإصرار، والقدرة على تحويل الفكرة إلى مشروع وطني مستدام.
واليوم، والسودان يقف على أعتاب مرحلة إعادة البناء، فإن الحاجة إلى “حواس” تبدو أكبر من أي وقت مضى. فإعادة إعمار الاقتصاد لن تتحقق بالمشروعات وحدها، بل تحتاج إلى إعلام يزرع الثقة، ويشرح الفرص، ويراقب الأداء، ويقدم المعرفة، ويحفز الاستثمار، ويؤسس لعقد جديد بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
إن المستقبل الحقيقي لـ”حواس” لا يكمن في أن تبقى مجلة ناجحة فحسب، بل في أن تتحول إلى مؤسسة اقتصادية معرفية متكاملة، تضم مركزًا للدراسات، ووحدة للبيانات الاقتصادية، ومنتديات للحوار، ومنصات رقمية تخاطب العالم بلغات متعددة، لتصبح صوت الاقتصاد السوداني في الداخل والخارج.
فالأمم لا تُبنى بالمصانع وحدها، ولا بالموانئ وحدها، ولا بالبنوك وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالكلمة الواعية، والفكرة المستنيرة، والإعلام الذي يحول المعرفة إلى قوة، والمعلومة إلى استثمار، والوعي إلى مستقبل.
وهذا، في تقديري، هو الإرث الحقيقي الذي صنعته مجلة حواس الاقتصادية… إرث يتجاوز الورق والحبر، ليصبح جزءًا من مشروع السودان نحو اقتصاد أكثر وعيًا، وأكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على صناعة الغد ومنً هما نامل ان تدعمً مؤسسات الدوله والشركات ورجال الأعمال هذه التجربه لتنطلق للامام بثبات وقوة

