السودان ما بين الهاوية والنهوض: سيناريوهات الاستثمار في ظل الحرب والسلام
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق مصيري فبعد ثلاثة أعوام من الحرب التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم أصبحت خيارات المستقبل واضحة وقاسية ولها خيارات إما الاستمرار في مسار التدمير الداخلي أو الانطلاق نحو نهضة شاملة تستثمر في إمكانات البلاد الهائلة . نحاول في هذا المقال أن نستعرض سيناريوهين متناقضين للاستثمار في السودان مع تقديم مقترحات عملية لتهيئة البيئة الاستثمارية مستندين على الواقع و الوضع الراهن و بعض التقارير الدولية والنماذج الاقتصادية المتطورة.
السيناريو الأول : استمرار الحرب حتى 2030
1. التكلفة الاقتصادية المدمرة: تشير نماذج التوقعات الدولية إلى أن استمرار القتال حتى عام 2030 سيكون كارثي بكل المقاييس وفي هذا السيناريو سينكمش الناتج المحلي الإجمالي إلى 23.1 مليار دولار فقط بحلول عام 2043، مما يمثل خسائر تراكمية تصل إلى 34.5 مليار دولار مقارنة بمسار عدم الحرب ويعد هو الأكثر إيلام أن 34 مليون شخص إضافي سينزلقون إلى براثن الفقر المدقع بحلول عام 2043 أي أكثر من عدد سكان غانا بأكملها .
2. تدمير رأس المال البشري والبنية الأساسية: لن تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي فحسب ايضا ستمتد إلى تدمير نسيج المجتمع السوداني ذاته ، فقد توقف تعليم حوالي 19 مليون طفل في سن الدراسة وهو ندبة ديموغرافية ستشكل القوى العاملة والنتائج الصحية والحياة المدنية لعقود قادمة ، كما أغلقت أكثر من 70% من المرافق الصحية في مناطق الحرب مما أدى إلى ارتفاع معدل وفيات الرضع إلى 44.5 حالة لكل ألف مولود حي .
3. استمرار حالات نهب الموارد وتغذية الصراع: بالنسبة الى سيناريو استمرار الحرب ستستمر الموارد الطبيعية وعلى رأسها الذهب في تغذية الحرب من جانب المليشيا بدلا من أن تكون رافعة للتنمية، فقد أصبح الذهب المحرك الرئيسي لعمليات تمويل المليشيا في السودان حيث يشكل أكبر مصدر دخل لها ، وايضا ويغذي شبكات التهريب العابرة للحدود ، وفي ظل استمرار الحرب سيبقى هذا النمط من نهب الموارد قائما حيث تصبح الثروة الطبيعية وقود للحرب بدلا من أن تكون أساسا قويا للتنمية.
السيناريو الثاني : توقف الحرب ومسار النهضة السودانية
1. السودان الصاعد : يقدم تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ما بعد الحرب سيناريو تفائلي أطلق عليه “السودان الصاعد” وهو نموذج لما يمكن أن يحدث عندما يقترن السلام بشروط الدولة السودانية بتحول منسق في مختلف القطاعات المتمثلة في الحوكمة، الصحة، التعليم، الزراعة، التصنيع، البنية التحتية، التجارة، والتدفقات المالية .
2. مؤشرات النهضة الاقتصادية: في هذا السيناريو تصل تقديرات الناتج المحلي الإجمالي إلى 58.2 مليار دولار بحلول عام 2043 أي أعلى ب 19.3 مليار دولار من المسار الحالي مع ارتفاع متوسط دخل الفرد إلى 3,176 دولارا. والأكثر أهمية هو أن 17.3 مليون شخص سينتقلون من الفقر المدقع وسترتفع معدلات النمو الاقتصادي إلى 5% سنويا، أي أكثر من ضعف النسبة المتوقعة في المسار الحالي البالغة 2.4% .
3. استغلال المزايا التنافسية للسودان : حيث يمتلك السودان مقومات هائلة غير مستغلة متمثلة في الأراضي الصالحة للزراعة، ومياه النيل، ومنفذ على البحر الأحمر، وسكان شباب يمكن أن يشكلون قوة دافعة للنمو لعقود قادمة ، وفي عصر إعادة التوطين والقلق المتزايد بشأن الأمن الغذائي، تشكل هذه الموارد الزراعية الواسعة جذبا لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الذي سيساعد في تحقيق النمو المنشود .
مقترحات تهيئة البيئة الاستثمارية في السودان:
1. إرساء السلام وإعادة بناء الدولة (الركيزة الأساسية): لا يمكن الحديث عن استثمارات جادة دون سلام مستدام. وهذا يتطلب:
– تسوية سياسية قوية: لا يمكن أن يكون السلام مجرد هدنة عابره أو محدودة بزمن ايضا يجب أن يقوم على تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة تضمن السيادة الوطنية ، بما في ذلك إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات العسكرية في مؤسسة وطنية موحدة .
– عملية سلام متعددة الأبعاد: نظرا لتآكل رأس المال الاجتماعي وضعف القدرات المحلية فإن بناء السلام المستدام يتطلب عملية سلام متعددة الأبعاد تقودها القوى السودانية بإشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، تستند إلى تقوية السيادة الوطنية السودانية و تكون ائتلاف مدني ديمقراطي واسع .
2. إصلاح الحوكمة ومكافحة الفساد: حيث تظهر النماذج الاقتصادية أن إصلاح الحوكمة قادر وحده على انتشال 4.8 مليون شخص من الفقر . وهذا يستدعي:
– شفافية في إدارة الموارد الطبيعية: وضع آليات شفافة لإدارة عائدات الذهب والمعادن الأخرى و من خلال منهاج علمية وعملية لإدارة الشفافية لصناعة و صادر المعان الاستخراجية.
– مكافحة تدفقات رأس المال غير المشروع من خلال العمل مع الشركاء الدوليين لإغلاق الثغرات التنظيمية التي تسمح بتهريب الذهب، خاصة عبر الإمارات التي تعتبر مركزا عالميا للذهب المشبوه المصدر .
– تحسين بيئة الأعمال: عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز سيادة القانون وإنشاء آلية مستقلة لتسوية المنازعات التجارية.
3. إعادة بناء البنية التحتية ورأس المال البشري: لا يمكن تحقيق النهضة دون استثمارات ضخمة في:
– البنية التحتية الأساسية: إعادة بناء الطرق والموانئ ومحطات الطاقة، مع التركيز على مشاريع الطاقة المتجددة التي تتناسب مع إمكانات السودان الهائلة في هذا المجال.
– التعليم والصحة: مع 19 مليون طفل خارج المدارس، تصبح إعادة بناء النظام التعليمي أولوية وطنية لا تقبل التأجيل، وهذا يستدعي استراتيجية وطنية مدعومة دوليا لتعويض الفاقد التعليمي .
– التدريب المهني وبناء المهارات: برامج طموحة لتدريب الشباب وتزويدهم بمهارات القرن الحادي والعشرين، خاصة في مجالات الزراعة الحديثة والتقنيات الرقمية.
4. استراتيجية قطاعية ذكية:
– الزراعة: أكبر قطاع قادر على انتشال 4.7 مليون شخص من الفقر مع التركيز على الزراعة التعاقدية، وتطوير سلاسل القيمة، والاستثمار في الري الحديث لزيادة الإنتاجية واستغلال الأراضي غير المستغلة.
– التعدين: تحويل قطاع التعدين من مصدر للنزاعات إلى رافعة للتنمية من خلال تنظيم قطاع التعدين الأهلي، وتشجيع الاستثمار في التكرير المحلي بدلا من تصدير الذهب الخام، والانضمام إلى المعايير الدولية للتعدين المسؤول .
– الخدمات المالية والرقمنة: الاستفادة من الفرصة الذهبية لإعادة بناء النظام المالي على أسس رقمية حديثة، مما يعزز الشمول المالي ويجذب الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي.
خياران لا ثالث لهما:
من خلال اطلاعنا على تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يكشف أن الفرق بين السيناريو الأسوأ والأفضل ليس هامشيا انما هو 34 مليون شخص يقعون في براثن الفقر أو 17 مليونا ينتقلون إلى حياة كريمة وبينما تستمر الحرب يظل السودان غارقا في الازمات حيث تتنافس القوى الإقليمية على موارده ونفوذه دون أن يلمس المواطن السوداني أي تحسن ملموس على الرغم من تدفق المليارات .
الخيار بين السيناريوين ليس فكري أو أكاديمي انما هو خيار وجودي يتطلب جرأة سياسية وإرادة وطنية. وفي ظل أي سيناريو يظل الشعب السوداني هو الرهان الأكبر والأمل الأخير في بناء مستقبل يليق بإمكانيات هذا البلد العريق.

