من تأميم البنوك إلى أزمة الجهاز المصرفي.. ماذا تبقى من تجربة نميري؟
الدوحة حسن ابوعرفات
في 25 مايو 1970، وفي الذكرى الأولى لثورة مايو، اتخذ الرئيس السوداني جعفر محمد نميري واحداً من أكثر القرارات الاقتصادية جرأة في تاريخ السودان الحديث، عندما أعلن تأميم عدد من البنوك العاملة في البلاد، ونقل ملكيتها إلى الدولة، في خطوة عكست بوضوح التوجه الاشتراكي الذي تبنته الثورة في سنواتها الأولى.
كان القرار، في ذلك الوقت، أكثر من مجرد إجراء مصرفي؛ فقد كان إعلاناً سياسياً واقتصادياً عن رغبة النظام الجديد في إعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد، وإنهاء ما اعتبره نفوذاً أجنبياً على القطاع المصرفي، وتوجيه الموارد المالية والائتمانية لخدمة أهداف التنمية الوطنية.
وجاء الإعلان في حضور الرئيس المصري جمال عبد الناصر والزعيم الليبي معمر القذافي، في أجواء عربية وأفريقية كانت تشهد صعوداً واسعاً لأفكار التأميم والاشتراكية والاقتصاد الموجَّه، حيث كانت الدولة تُنظر إليها باعتبارها الأداة الرئيسية لتحقيق التنمية وحماية الموارد الوطنية.
لكن بعد مرور أكثر من نصف قرن، يفرض التاريخ سؤالاً مهماً: ماذا كانت حصيلة تلك التجربة؟ وهل نجح تأميم البنوك في تحقيق الأهداف التي أُعلن من أجلها؟
التأميم.. استعادة للسيادة أم توسيع لدور الدولة؟
لا يمكن النظر إلى قرار تأميم البنوك بمعزل عن ظروف تلك المرحلة. فقد كان السودان، مثل كثير من الدول النامية، يسعى إلى التحرر من الإرث الاستعماري وبناء اقتصاد وطني مستقل. وكان وجود مؤسسات مالية ذات ارتباطات أجنبية يُنظر إليه من قبل التيار السياسي الحاكم باعتباره أحد مظاهر النفوذ الاقتصادي الخارجي.
من هذا المنظور، بدا التأميم منطقياً بالنسبة لصانع القرار آنذاك. فامتلاك الدولة للقطاع المصرفي يعني، نظرياً، قدرتها على توجيه الائتمان نحو الزراعة والصناعة والتجارة ومشروعات التنمية، بدلاً من ترك القرار الائتماني لمنطق الربحية وحده.
كما أن إعادة تسمية بعض البنوك وتخصيص أدوار لها، مثل بنك جوبا التجاري لتمويل مشروعات التنمية في المديريات الجنوبية، وبنك الشعب التعاوني لدعم النشاط التعاوني، تعكس محاولة لاستخدام الجهاز المصرفي كأداة مباشرة لتنفيذ السياسة الاقتصادية للدولة.
غير أن المشكلة لم تكن في فكرة توجيه التمويل بحد ذاتها، وإنما في السؤال الأصعب: هل تمتلك الدولة المؤسسات والكفاءات والحوكمة اللازمة لإدارة القطاع المصرفي بكفاءة؟
عندما تصبح البنوك ذراعاً للحكومة
التجارب الاقتصادية في مختلف دول العالم أثبتت أن ملكية الدولة للبنوك ليست بالضرورة مشكلة في حد ذاتها. فهناك دول نجحت في إدارة بنوك حكومية بكفاءة، بينما فشلت دول أخرى عندما تحول الجهاز المصرفي إلى أداة لتمويل العجز الحكومي أو تنفيذ قرارات سياسية لا تستند إلى دراسات اقتصادية وائتمانية سليمة.
وهنا تكمن إحدى أهم إشكالات النموذج السوداني.
فالبنك مؤسسة تقوم على إدارة المخاطر، وتحليل الجدارة الائتمانية، وحماية أموال المودعين، وتحقيق التوازن بين التمويل والتنمية والاستقرار النقدي. وإذا تداخلت السياسة مع القرار المصرفي، يصبح من الصعب الحفاظ على هذا التوازن.
وقد يؤدي ذلك إلى منح القروض وفق اعتبارات غير اقتصادية، أو تمويل مشروعات غير مدروسة، أو تراكم الديون المتعثرة، الأمر الذي يضعف قدرة البنوك على القيام بدورها الأساسي في الاقتصاد.
التأميم لم يكن وحده سبب الأزمة
ومع ذلك، سيكون من التبسيط الشديد تحميل تجربة التأميم وحدها مسؤولية المشكلات التي واجهها الاقتصاد السوداني لاحقاً.
فالسودان عانى، عبر عقود، من عوامل متعددة أكثر تعقيداً، من بينها عدم الاستقرار السياسي، والحروب الأهلية، وضعف الإنتاج، وتذبذب الصادرات، وأزمات النقد الأجنبي، والتضخم، وتراكم الديون، وضعف البنية المؤسسية.
كما أن التحولات الاقتصادية التي شهدها السودان لاحقاً، من الاقتصاد الاشتراكي إلى سياسات التحرير الاقتصادي، لم تؤدِ بالضرورة إلى بناء قطاع مصرفي قوي ومستقر. فقد ظلت المشكلة الأساسية قائمة: غياب الاستقرار الاقتصادي والمؤسسي طويل الأجل.
وهذا يعني أن القضية لم تكن ببساطة «تأميم مقابل خصخصة»، بل كانت قضية أعمق تتعلق بكيفية بناء اقتصاد منتج ومؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة.
الدرس الأهم: لا يكفي تغيير ملكية البنك
ربما يكون الدرس الأبرز من تجربة تأميم البنوك في السودان هو أن تغيير ملكية المؤسسات لا يضمن وحده نجاحها.
فإذا انتقلت ملكية البنك من القطاع الخاص إلى الدولة دون تطوير الإدارة والحوكمة والرقابة، فإن المشكلة قد تنتقل من شكل إلى آخر دون أن تختفي.
والعكس صحيح أيضاً؛ فإن خصخصة البنوك دون وجود رقابة مصرفية قوية وتشريعات تحمي المودعين وتمنع الاحتكار والمضاربات قد تؤدي إلى أزمات من نوع آخر.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل نريد بنوكاً حكومية أم خاصة؟
بل السؤال هو: كيف نبني جهازاً مصرفياً وطنياً قوياً، مهنياً، مستقلاً، قادراً على تمويل الإنتاج، وحماية المدخرات، ودعم التنمية؟
السودان اليوم.. أزمة مختلفة تماماً
بعد أكثر من خمسين عاماً على قرارات نميري، يجد السودان نفسه أمام أزمة مصرفية واقتصادية غير مسبوقة بسبب الحرب.
فقد تضررت البنية التحتية الاقتصادية، وتعطلت فروع ومؤسسات مصرفية، وتعرضت حركة التجارة والإنتاج لضغوط هائلة، بينما أصبح ملايين السودانيين في حاجة إلى نظام مالي قادر على استعادة الثقة وتسهيل التحويلات وتمويل النشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وفي هذه الظروف، فإن إعادة بناء الجهاز المصرفي يجب ألا تكون مجرد إعادة فتح البنوك أو تغيير أسماء المؤسسات، بل ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع اقتصادي وطني شامل.
السودان يحتاج إلى بنوك قادرة على تمويل الزراعة والصناعة والتعدين والبنية التحتية، وإلى نظام دفع إلكتروني حديث، وإلى سياسات نقدية مستقرة، وإلى بنك مركزي يتمتع بالمهنية والاستقلالية، وإلى بيئة تشريعية تشجع الاستثمار وتحمي أموال المودعين.
كما يحتاج إلى إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والجهاز المصرفي، بحيث يكون للدولة دور استراتيجي في توجيه الاقتصاد، دون أن تتحول البنوك إلى مؤسسات بيروقراطية تابعة للقرار السياسي اليومي.
من تجربة التأميم إلى نموذج اقتصادي جديد
إن استعادة تجربة 1970 اليوم لا ينبغي أن تكون بهدف تمجيد التأميم أو إدانته، وإنما لاستخلاص الدروس.
ففي ذلك الزمن كان السودان يبحث عن الاستقلال الاقتصادي، وكانت الدولة ترى أن امتلاك البنوك هو الطريق إلى السيطرة على القرار المالي. أما اليوم، فإن التحدي أكبر بكثير؛ إذ يحتاج السودان إلى الجمع بين السيادة الاقتصادية والانفتاح الاستثماري، وبين دور الدولة وكفاءة القطاع الخاص، وبين حماية المصالح الوطنية والاستفادة من الخبرات ورؤوس الأموال الخارجية.
المطلوب ليس عودة إلى نموذج التأميم القديم، ولا ترك الاقتصاد بالكامل لقوى السوق، وإنما بناء نموذج سوداني خاص يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، مع رقابة صارمة وشفافية ومؤسسات قوية.
الخلاصة
كان تأميم البنوك في 25 مايو 1970 تعبيراً عن مرحلة تاريخية كان فيها التحرر الاقتصادي والسيادة الوطنية مرتبطين في الوعي السياسي بامتلاك الدولة لمفاصل الاقتصاد.
لكن تجربة نصف قرن تقول إن السيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد امتلاك الدولة للبنوك، كما أن تحرير الاقتصاد لا يتحقق بمجرد بيع المؤسسات العامة.
السيادة الحقيقية تبدأ من اقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، وعملة مستقرة، ونظام مصرفي حديث، وقضاء مستقل، وتشريعات واضحة، وبيئة استثمارية جاذبة.
وربما يكون أكبر درس يمكن أن يستخلصه السودان من تجربة نميري هو أن المؤسسات أقوى من الشعارات، والإدارة أهم من الملكية، والاستقرار السياسي شرط أساسي لأي سياسة اقتصادية قابلة للاستمرار.
وبين تأميم البنوك بالأمس وانهيار أو تعطل أجزاء واسعة من الجهاز المصرفي اليوم، تبدو أمام السودان فرصة تاريخية لإعادة بناء القطاع المالي من جديد، ولكن هذه المرة على أسس حديثة، تستفيد من دروس الماضي، وتتجنب أخطاءه، وتضع الاقتصاد الوطني في قلب مشروع إعادة بناء الدولة السودانية
من ذاكرة القصر.. شهادة لم تُكتب بعد
وأنا أكتب عن تجربة تأميم البنوك في عهد الرئيس جعفر محمد نميري، لا أتناول هذه التجربة من موقع الباحث الذي يقرأ التاريخ من بعيد، وإنما أستعيد أيضاً جانباً من الذاكرة الصحفية التي عشتها في تلك المرحلة.
فقد ظللت لعدة سنوات أتابع أخبار القصر الجمهوري مندوباً لصحيفة «الصحافة»، وأتيحت لي خلال تلك الفترة فرصة الاقتراب من تفاصيل الحياة السياسية وصناعة القرار في السودان، كما رافقت الرئيس نميري في عدد من رحلاته الداخلية والخارجية، وهي تجربة مهنية وإنسانية تركت في ذاكرتي الكثير من المشاهد والانطباعات والقصص التي لم تجد طريقها بعد إلى النشر.
ولعل تجربة تأميم البنوك كانت واحدة من المحطات التي تستحق أن تُقرأ ليس فقط من خلال القرارات والبيانات الرسمية، وإنما أيضاً من خلال شهادات الذين كانوا قريبين من مركز صناعة القرار، ومن خلال ما عاشه الصحفيون الذين تابعوا تلك الأحداث لحظة بلحظة.
لقد تغير السودان كثيراً منذ تلك السنوات. تغيرت الأنظمة والسياسات، وانتقل الاقتصاد من التأميم إلى الانفتاح والتحرير، ثم دخل في أزمات متلاحقة، وصولاً إلى الحرب التي ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد والجهاز المصرفي ومؤسسات الدولة.
لكن بعض الأسئلة بقيت كما هي: كيف تُدار الدولة؟ وما حدود تدخلها في الاقتصاد؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات وطنية قوية لا تخضع للتقلبات السياسية؟ وكيف يتحول القطاع المصرفي من مجرد أداة للسياسة المالية إلى مؤسسة حقيقية لتمويل الإنتاج والتنمية؟
ولذلك فإنني أعتقد أن تجربة نميري، بكل ما لها وما عليها، ما زالت بحاجة إلى قراءة أكثر عمقاً وموضوعية، بعيداً عن التمجيد أو الإدانة. فقد عايشت جانباً من تلك المرحلة عن قرب، واحتفظت الذاكرة بالكثير من التفاصيل التي ربما آن الأوان لتوثيقها.
وأتمنى أن تتاح لي الفرصة في يوم من الأيام لأضع هذه التجربة بين دفتي كتاب، أستعيد فيه بعضاً من سنوات عملي الصحفي، وذكرياتي من داخل القصر الجمهوري، ورحلاتي مع الرئيس نميري في الداخل والخارج، وما رأيته وسمعته خلال تلك السنوات، إلى جانب شهادات عدد من الشخصيات التي عاصرت تلك المرحلة.
فالتاريخ لا يُكتب بالوثائق الرسمية وحدها؛ بل تكتمل صورته أيضاً بشهادات من عاشوا الأحداث، وشاهدوا تفاصيلها، وكانوا قريبين من صناع القرار.
وربما يكون كتاب كهذا، إذا كُتب يوماً، محاولة للإجابة عن سؤال أكبر من تأميم البنوك نفسه: كيف انتقل السودان من أحلام بناء الدولة الوطنية والاقتصاد القومي إلى أزماته الراهنة؟ وأين أخطأنا في الطريق؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من الماضي ونحن نحاول إعادة بناء السودان من جديد

