رئاسة الوزراء في السودان.. المشكلة في الشخص أم في الصلاحيات والمنهج
– ينبغي أن يكون النقاش الوطني: كيف نبني حكومة تملك القرار وتعرف الأولويات وتُحاسَب على النتائج
الدوحة حسن ابوعرفات
أثار الزميل الهندي عزالدين نقاشاً مهماً بدعوته رئيس الوزراء الدكتور كامل الطيب إدريس إلى تقديم استقالته، معتبراً أن المرحلة الحالية تحتاج إلى رئيس وزراء مدني يمتلك قراراً تنفيذياً واضحاً، وخلفية اقتصادية، ويعيش داخل السودان ويدرك تعقيدات أزماته اليومية.
وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع دعوة الاستقالة، فإن جوهر القضية يستحق نقاشاً أوسع من مسألة بقاء شخص أو مغادرته.
السؤال الحقيقي هو: هل يملك رئيس الوزراء في السودان الصلاحيات الكاملة التي تمكنه من إدارة الجهاز التنفيذي ومحاسبته على النتائج؟
فالعودة إلى إشراف بعض أعضاء مجلس السيادة على عدد من الوزارات، كما يشير الزميل الهندي عزالدين، تفتح الباب أمام سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين رأس الدولة والجهاز التنفيذي، وحدود الاختصاصات والمسؤوليات. فوضوح الصلاحيات ليس مسألة إدارية فحسب، وإنما شرط أساسي حتى يمكن تقييم أداء أي حكومة ومحاسبتها بصورة عادلة.
أما الاقتصاد، فلا خلاف على أنه أصبح في قلب الأزمة السودانية. الحرب أضعفت الإنتاج، وأثرت على الإيرادات والتجارة والمصارف والبنية التحتية، ورفعت كلفة المعيشة، وجعلت استعادة النشاط الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة تحدياً متزامناً مع تحديات الأمن والخدمات والسلام الاجتماعي.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى برنامج اقتصادي واضح وقابل للقياس أكثر إلحاحاً من مجرد تغيير الأسماء.
وقد طرح الزميل الهندي عزالدين فكرة الاستعانة بقيادات مصرفية لرئاسة الوزراء، مستنداً إلى خبرتها في إدارة المؤسسات المالية في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد. وهي فكرة تستحق النقاش من زاوية معايير الاختيار، لا من زاوية الأسماء وحدها؛ فإدارة بنك، مهما بلغت صعوبتها، تختلف في طبيعتها عن إدارة دولة تواجه حرباً ونزوحاً وأزمة مالية ومؤسسات متضررة وعلاقات إقليمية ودولية معقدة.
لذلك فإن اختيار رئيس الوزراء المقبل، إن حدث تغيير، ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، من بينها: الخبرة التنفيذية، القدرة على اتخاذ القرار، المعرفة بالاقتصاد السوداني، فهم تعقيدات الدولة ومؤسساتها، القدرة على إدارة فريق حكومي متماسك، والاستعداد للعمل داخل السودان ومواجهة أزماته على أرض الواقع.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تغيير رئيس الوزراء إلى اختزال لمشكلة السودان في شخص واحد. فالأزمة أعمق من ذلك، والحكومة لا تعمل في فراغ، كما أن نتائجها ترتبط بالبيئة السياسية والأمنية والاقتصادية وبطبيعة الصلاحيات الممنوحة لها.
السودان اليوم يحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة لأداء الجهاز التنفيذي، لا إلى معركة حول الأشخاص. المطلوب تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، ومنح السلطة التنفيذية الأدوات اللازمة للعمل، ثم محاسبتها على نتائج محددة وفي مدد زمنية معلومة.
وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي الاقتصاد: استعادة الإنتاج، دعم القطاع المصرفي، ضبط المالية العامة، معالجة أوضاع العملة والأسواق، إعادة تشغيل المؤسسات الإنتاجية، تشجيع الاستثمار، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد تغيير اسم رئيس الوزراء، وإنما اختبار نموذج جديد في الإدارة التنفيذية: صلاحيات واضحة، مسؤولية واضحة، برنامج واضح، ومحاسبة واضحة.
فالسودان لا يحتاج إلى حكومة جديدة بالاسم فقط، وإنما إلى حكومة تستطيع أن تعمل، وتتحمل مسؤولية قراراتها، وتقيس نجاحها بما تحققه للمواطن والدولة، لا بما تقوله البيانات والتصريحات.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش الوطني: كيف نبني حكومة تملك القرار وتعرف الأولويات وتُحاسَب على النتائج
