* زادنا» في مفترق الطرق.. إصلاح استراتيجي أم إعادة توزيع للأصول
– إذا تأكدت المعلومات، قد يكون القرار مقدمة لعملية إعادة هيكلة واسعة للاقتصاد الحكومي في السودان
الدوحة حسن ابوعرفات مجلة حواس
الخبر مهم، لكن قيمته الحقيقية ليست في مجرد تشكيل لجنة لمراجعة «زادنا»، وإنما في ما قد يكشفه القرار عن اتجاه الدولة لإعادة تعريف دور الشركات الاقتصادية التابعة للدولة، خصوصاً في ظل الحرب والضغط على الأمن الغذائي.
القرار يحمل دلالة سياسية واقتصادية أكبر من كونه مراجعة إدارية
إذا صحّ صدور القرار، فإن تشكيل لجنة عليا تضم قيادات عسكرية وخبراء اقتصاديين وجهات رقابية يعني أن ملف «زادنا» أصبح يُنظر إليه باعتباره ملفاً استراتيجياً يتعلق بإدارة أصول الدولة، وليس مجرد خلاف حول أداء شركة.
وهذا مهم لأن «زادنا» ارتبطت خلال السنوات الماضية بمشروعات كبيرة في الزراعة والبنية التحتية والاستثمار، وبالتالي فإن أي تغيير في هيكلها أو نشاطها ستكون له آثار تتجاوز الشركة نفسها.
السؤال الجوهري: لماذا ابتعدت «زادنا» عن أهدافها الأساسية ؟
أهم ما في الخبر هو الحديث عن أن التقرير التمهيدي رصد انخراط الشركة في أنشطة تجارية وخدمية لا ترتبط مباشرة بتطوير الزراعة والإنتاج الحيواني.
هنا ينبغي ألا يكون السؤال فقط: ماذا فعلت «زادنا»؟
بل أيضاً:
* من الذي سمح بالتوسع في هذه الأنشطة؟
* هل كان التوسع جزءاً من استراتيجية استثمارية معتمدة؟
* ما حجم الأموال التي دخلت في القطاعات غير الزراعية؟
* ما العائد الاقتصادي الحقيقي منها؟
* وهل كانت هناك خسائر أو تضارب مصالح أو ضعف في الحوكمة؟
* وما وضع أصول الشركة ومشروعاتها وعقودها
هذه الأسئلة أهم من مجرد قرار تقسيم الشركة.
فكرة تقسيم «زادنا» إلى شركات متخصصة قد تكون منطقية اقتصادياً
إذا كانت الشركة قد أصبحت كياناً واسعاً يضم أنشطة متباينة، فإن تقسيمها إلى شركات متخصصة يمكن أن يحسن الحوكمة والمحاسبة.
مثلاً يمكن أن تكون هناك شركة للزراعة، وأخرى للإنتاج الحيواني، وثالثة للتصنيع الغذائي، وأخرى للبنية التحتية أو الخدمات الاستثمارية، بحسب طبيعة الأصول القائمة فعلياً.
لكن التقسيم وحده لا يمثل إصلاحاً.
إذا بقيت الإدارة نفسها، ونفس أساليب اتخاذ القرار، ونفس ضعف الشفافية، فقد تتحول عملية التقسيم إلى مجرد إعادة توزيع للأصول والأسماء.
أخطر نقطة في الملف هي الأصول وليس اسم الشركة
في رأيي، ينبغي أن تكون اللجنة مطالبة أولاً بإعداد جرد شامل لأصول «زادنا»:
* الأراضي والمشروعات الزراعية.
* الشركات التابعة والمساهمات.
* العقود الاستثمارية.
* الأصول الثابتة.
* الالتزامات والديون.
* المشروعات المتوقفة.
* الإيرادات والمصروفات.
* الشراكات مع القطاع الخاص.
* ملكية كل أصل ومن يديره.
لأن أي إعادة هيكلة من دون معرفة دقيقة بـ«ماذا تملك زادنا؟ وماذا عليها؟ وماذا أنجزت؟» ستكون ناقصة.
توقيت شديد الحساسية لان
السودان يعيش أزمة غذاء واقتصاد وإنتاج، ولذلك فإن إعادة توجيه «زادنا» نحو الإنتاج الزراعي والحيواني والأمن الغذائي تبدو منطقية جداً من الناحية الاقتصادية.
لكن ينبغي ألا يتحول الأمر إلى مجرد شعار.
السودان يمتلك إمكانات زراعية هائلة، والمشكلة الأساسية ليست في الأرض فقط، وإنما في التمويل، البنية التحتية، الري، المدخلات الزراعية، النقل، التخزين، التصنيع، التسويق والتصدير.
إذا استطاعت «زادنا» أن تتحول إلى ذراع استثماري حقيقي لهذه المنظومة، فإن ذلك سيكون أكثر أهمية من توسعها في أنشطة متفرقة.
هناك سؤال لا يقل أهمية: لماذا الآن
وهذا ربما أهم سؤال صحفي في الخبر.
هل القرار جاء نتيجة تقييم دوري كان مقرراً أصلاً؟
أم بسبب ملاحظات على الأداء؟
أم بسبب خلافات حول إدارة أصول الشركة؟
أم لأن الدولة تريد إعادة ترتيب الشركات الحكومية بعد الحرب؟
الإجابة ستحدد طبيعة القرار: هل نحن أمام إصلاح مؤسسي حقيقي أم تغيير إداري؟
الاستنتاج: احتمال تقسيم الشركة إلى شركات متخصصة.
وهذا يعطي الخبر قوة ومصداقية، خصوصاً أن الملف يتعلق بأصول وشركة ذات صلة بالدولة.
أرى أن الخبر، إذا تأكدت معلوماته، قد يكون مقدمة لعملية إعادة هيكلة واسعة للاقتصاد الحكومي في السودان، وليس مجرد مراجعة لأداء «زادنا».
والاختبار الحقيقي سيكون: هل ستؤدي المراجعة إلى كشف الحقائق، حصر الأصول، محاسبة المقصرين، فصل الأنشطة، تحسين الحوكمة، وإعادة توجيه رأس المال نحو الإنتاج؟
أم ستنتهي إلى تغيير الهياكل والأسماء فقط؟
وأقوى سؤال يمكن أن يُبنى عليه تحقيق صحفي هو:
ماذا تملك «زادنا» اليوم؟ وكم استثمرت؟ وكم حققت؟ وأين ذهبت أصولها؟ ولماذا ابتعدت عن المهمة التي أُنشئت من أجلها

