#### *بين التشخيص والتنفيذ.. أين تعثرت السياسات الاقتصادية في السودان؟*
*بقلم: محمد حمد أبوعول*
لم يعرف السودان نقصاً في الخطط الاقتصادية أو برامج الإصلاح، فقد تعاقبت الحكومات على وضع سياسات تستهدف تحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وزيادة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الإيرادات العامة. ومع ذلك، ظل الاقتصاد السوداني يعاني من التضخم، وتدهور سعر الصرف، وضعف الإنتاج، واختلال المالية العامة، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تفشل كثير من السياسات الاقتصادية في السودان رغم تكرار محاولات الإصلاح؟
قد لا تكون المشكلة دائماً في غياب الأفكار أو ضعف التشخيص، وإنما في الفجوة بين تصميم السياسة وتنفيذها. فالسياسة الاقتصادية لا تنجح بمجرد صدورها في قرار، وإنما بقدرة المؤسسات على تنفيذها، وقياس نتائجها، وتصحيح مسارها عندما لا تحقق أهدافها.
ومن أبرز أسباب تعثر السياسات الاقتصادية الميل إلى معالجة أعراض الأزمة بدلاً من معالجة جذورها. ففي أوقات الضغوط المالية، ينصب الاهتمام على توفير الإيرادات العاجلة أو احتواء ارتفاع الأسعار، بينما تتراجع الإصلاحات المرتبطة بزيادة الإنتاج والصادرات وتحسين كفاءة المؤسسات. وقد تكون الإجراءات العاجلة ضرورية، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بديل عن الإصلاح الهيكلي.
فالاقتصاد الذي يعاني ضعف الإنتاج لا يمكن أن يستعيد عافيته بالجبايات وحدها، كما أن مشكلة نقص النقد الأجنبي لا تُحل بصورة مستدامة بإجراءات إدارية في سوق الصرف، وإنما بزيادة الصادرات وتحسين الإنتاج وتعزيز الثقة في الاقتصاد.
ويأتي عدم استقرار السياسات الاقتصادية عاملاً آخر يضعف الاستثمار والإنتاج. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة يستطيع التنبؤ بها، بينما تؤدي التغييرات المتكررة في القوانين واللوائح والرسوم والإجراءات إلى زيادة المخاطر، وتدفع المستثمرين والمنتجين إلى الانتظار أو تقليص نشاطهم.
ولا تقل مشكلة البيانات الاقتصادية أهمية عن ذلك. فالقرار السليم يحتاج إلى معلومات دقيقة وحديثة عن الإنتاج والأسعار والتجارة الخارجية والبطالة والاستهلاك والإيرادات والإنفاق العام، إضافة إلى حجم الاقتصاد غير الرسمي. وعندما تكون البيانات غير متوفرة أو ناقصة أو غير محدثة، تصبح السياسات عرضة للخطأ حتى لو كانت أهدافها سليمة.
وقد أضافت الحرب بعداً أكثر تعقيداً للأزمة الاقتصادية، بعد أن تضررت البنية التحتية، واضطربت سلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاج والنشاط التجاري في مناطق واسعة، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وتزايد الضغط على الموارد العامة. لكن الحرب، رغم آثارها العميقة، لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير شامل لكل اختلال اقتصادي فهي كشفت أيضاً عن نقاط ضعف مؤسسية وهيكلية كانت قائمة من قبل.
ومن العوامل المهمة كذلك ضعف التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية. فلا يمكن السيطرة على التضخم بصورة مستدامة إذا استمرت الاختلالات المالية، كما لا يمكن تحقيق استقرار سعر الصرف دون معالجة العوامل الحقيقية التي تؤثر في العرض والطلب على النقد الأجنبي. فالاقتصاد منظومة مترابطة، وأي محاولة لمعالجة أحد اختلالاته بمعزل عن بقية المكونات ستظل محدودة الأثر.
كما أن الاعتماد على زيادة الرسوم والجبايات لتوفير الإيرادات قد يحقق موارد قصيرة الأجل، لكنه إذا تجاوز قدرة النشاط الاقتصادي على التحمل، فإنه يرفع تكلفة الإنتاج والتجارة وينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات. أما الإيرادات المستدامة، فتأتي من اقتصاد يتوسع وينتج أكثر، ومن قاعدة ضريبية أكبر، ومن كفاءة أعلى في التحصيل، لا من زيادة العبء على النشاط الاقتصادي القائم.
ويبقى ضعف الحوكمة وكفاءة المؤسسات من أكثر العوامل تأثيراً في نجاح السياسات الاقتصادية. فحتى السياسة الجيدة يمكن أن تفشل إذا تداخلت الاختصاصات، وضعفت المساءلة، وتأخرت الإجراءات، أو غابت معايير الكفاءة في اختيار القيادات. ولذلك فإن إصلاح الاقتصاد لا ينفصل عن إصلاح مؤسسات الدولة نفسها.
كما أن غياب التقييم المستمر يؤدي إلى تكرار الأخطاء. فكل سياسة اقتصادية ينبغي أن ترتبط بأهداف ومؤشرات واضحة، وأن تخضع للمراجعة لمعرفة ما تحقق وما لم يتحقق وأسباب ذلك. فالسياسة التي لا تُقاس نتائجها يصعب تطويرها، وقد تستمر حتى بعد أن تفقد جدواها.
ومع ذلك، فإن السودان لا يفتقر إلى مقومات النهوض. فهو يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية ومائية، وموقعاً جغرافياً مهماً، فضلاً عن رأس مال بشري يمكن أن يمثل ركيزة لإعادة بناء الاقتصاد. لكن الموارد وحدها لا تصنع التنمية؛ فالثروة تتحول إلى قيمة عندما تدخل في دورة الإنتاج، والإنتاج يتحول إلى نمو عندما تتوافر له الأسواق والتمويل والبنية التحتية والسياسات المستقرة.
إن الإصلاح الاقتصادي في السودان يحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الاقتصاد، ومن القرارات قصيرة الأجل إلى رؤية طويلة المدى، ومن زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي إلى توسيع قاعدته، ومن إصدار السياسات إلى متابعة تنفيذها وقياس نتائجها.
وفي النهاية، قد لا تكون مشكلة السودان الأساسية نقصاً في الأفكار الاقتصادية، بقدر ما هي ضعف القدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج. فنجاح السياسة الاقتصادية لا يُقاس بحسن صياغتها، وإنما بقدرتها على تحسين الإنتاج، واستقرار الأسواق، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
السودان لا يحتاج فقط إلى سياسات اقتصادية أفضل، وإنما إلى مؤسسات أكثر كفاءة قادرة على تنفيذ هذه السياسات ومراجعة نتائجها وتصحيح مسارها.

