الجنيه السوداني.. هل ينقذه الذهب؟
بقلم: محمد حمد أبوعول
كلما فقد الجنيه السوداني جزءاً جديداً من قيمته، عادت إلى الواجهة فكرة حذف الأصفار من العملة، باعتبارها خطوة يمكن أن تسهم في تبسيط التعاملات وإعادة تنظيم النظام النقدي. لكن هذه الفكرة ليست جديدة على السودان فقد لجأ السودان إلى تغيير عملته مرتين من قبل. ففي عام 1992 استُبدل الجنيه بالدينار، ثم عاد السودان في عام 2007 إلى الجنيه مع حذف ثلاثة أصفار من الدينار، فأصبح الجنيه الجديد يعادل 100 دينار.
ورغم أن تلك الإجراءات حققت أهدافاً محاسبية ونقدية في وقتها، فإن التجربة السودانية تقدم لنا درساً مهماً وهي ان تغيير شكل العملة لا يعني بالضرورة استعادة قيمتها. فالعملة تستمد قوتها من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومن قدرة الدولة على ضبط التضخم والإصدار النقدي، ومن حجم الإنتاج والصادرات، ومن ثقة المواطنين والمستثمرين في النظام المالي.
ولهذا فإن الحديث عن حذف ثلاثة أصفار من الجنيه اليوم يجب أن يُنظر إليه بحذر. فإذا كانت السلعة تباع بعشرة ملايين جنيه، ثم أصبح سعرها بعد حذف الأصفار عشرة آلاف جنيه، فإن السلعة لم تصبح أرخص، ولم تتحسن القوة الشرائية للمواطن، وإنما تغيرت وحدة الحساب فقط. وإذا استمرت أسباب التضخم وانخفاض قيمة العملة، فإن الأصفار التي حُذفت قد تعود من جديد.
المشكلة الحقيقية في السودان ليست في كثرة الأصفار، وإنما في تآكل قيمة الجنيه. وقد جاءت الحرب لتفاقم اختلالات اقتصادية والتي كانت موجودة أصلاً فتراجع الإنتاج، واضطربت التجارة، وانخفضت الصادرات، وتراجعت الإيرادات العامة، وازدادت الحاجة إلى النقد الأجنبي، بينما تضرر الجهاز المصرفي وتراجعت الثقة في التعاملات الرسمية. وفي مثل هذه البيئة يصبح الجنيه تحت ضغط مستمر، خصوصاً عندما ينمو المعروض النقدي بمعدلات تفوق نمو الإنتاج الحقيقي.
من هنا أعتقد أن النقاش يجب أن ينتقل من سؤال كم صفراً نحذف؟ إلى سؤال أكثر جوهرية كيف نستعيد قيمة الجنيه ونبني الثقة فيه؟
وهنا تبرز فكرة تستحق النقاش بجدية، وهي الاستفادة من الذهب في دعم العملة السودانية.
السودان بلد منتج للذهب، وهذه ميزة اقتصادية كبيرة يمكن أن تتحول إلى عنصر من عناصر القوة النقدية إذا أُديرت بصورة صحيحة. لكن مجرد وجود الذهب في باطن الأرض لا يعني أنه يمثل غطاءاً للجنيه. فالغطاء الحقيقي يجب أن يكون ذهباً مملوكاً للدولة أو للبنك المركزي، وموجوداً في احتياطيات رسمية، وقابلاً للتحقق والتدقيق.
ومن هنا فإن السؤال الأول ليس فقط كم ينتج السودان من الذهب؟ وإنما كم من هذا الذهب يدخل فعلياً إلى النظام الاقتصادي والمالي الرسمي؟
إذا كانت كميات كبيرة من الذهب تتجه إلى الأسواق غير الرسمية أو تخرج من البلاد عبر قنوات غير رسمية، فإن السودان يفقد مورداً مهماً من موارد النقد الأجنبي، كما يفقد فرصة لبناء احتياطي قوي يمكن أن يدعم استقرار العملة.
أما إذا تمكنت الدولة من تنظيم سوق الذهب، وتوفير سعر شراء عادل للمنتجين، وتشجيعهم على البيع عبر القنوات الرسمية، وتحسين الرقابة على الإنتاج والتجارة والتصدير، فإن الذهب يمكن أن يتحول من مورد يتعرض للتسرب إلى أصل استراتيجي يساهم في دعم الاحتياطيات النقدية.
وهنا يأتي مقترح ربط الجنيه بالذهب. الفكرة في جوهرها تقوم على وضع ضوابط تمنع إصدار النقود بلا حدود، وربط جانب من الإصدار النقدي باحتياطي حقيقي من الذهب. وهذا يمكن، من حيث المبدأ، أن يفرض قدراً أكبر من الانضباط النقدي ويعزز ثقة الناس في العملة.
لكن من الخطأ تقديم هذا الخيار باعتباره علاجاً سحرياً. فالعودة الكاملة إلى قاعدة الذهب تعني أيضاً تقييد قدرة البنك المركزي على استخدام السياسة النقدية في مواجهة الأزمات. كما أنها تحتاج إلى احتياطي ذهبي كبير وشفاف، وقواعد واضحة للإصدار، ونظام دقيق للتقييم والتدقيق، وقدرة مؤسسية عالية على حماية الاحتياطي وإدارته.
لذلك قد يكون الخيار الأكثر واقعية للسودان هو ألا يبدأ مباشرة بربط كامل للجنيه بالذهب، وإنما أن يجعل الذهب أحد أهم مكونات استراتيجية الاحتياطي النقدي ودعم العملة. فكلما زادت حصة الذهب الرسمي، إلى جانب النقد الأجنبي والأصول الاحتياطية الأخرى، زادت قدرة البنك المركزي على مواجهة الصدمات وتعزيز الثقة في الجنيه.
لكن الذهب وحده لن ينقذ الجنيه اذا استمر العجز المالي، واستمر تمويل الإنفاق العام بإصدار النقود، وظل الإنتاج ضعيفاً، وتراجعت الصادرات، واستمر تهريب الذهب والنقد الأجنبي، فلن يكون من الممكن بناء عملة مستقرة مهما كان حجم الاحتياطي.
فقوة العملة في النهاية انعكاس لقوة الاقتصاد، ولهذا فإن أي مشروع لإصلاح الجنيه يجب أن يسير في عدة اتجاهات متزامنة ضبط الإصدار النقدي، تقليل الاعتماد على التمويل بالعجز، إعادة بناء الجهاز المصرفي، تشجيع الإنتاج، زيادة الصادرات، تحسين إدارة النقد الأجنبي، تنظيم سوق الذهب، وإدخال أكبر قدر ممكن من الموارد إلى الدورة الاقتصادية الرسمية.
وعندها يمكن أن يأتي حذف الأصفار كخطوة فنية لتنظيم العملة وتسهيل التعاملات والحسابات، وليس باعتباره علاجاً للتضخم.
إن التجربة السودانية السابقة في تغيير العملة يجب أن تكون درساً لا مجرد ذكرى. فقد حذفنا الأصفار من قبل، ثم عادت المشكلة لأن الأسباب التي أضعفت العملة لم تُعالج بصورة مستدامة. ولذلك فإن تكرار التجربة نفسها دون إصلاح جذري قد يؤدي إلى النتيجة نفسها.
السودان اليوم أمام فرصة حقيقية إذا أحسن إدارة موارده. فالذهب يمكن أن يكون أحد عناصر قوة الجنيه، والموقع الجغرافي يمكن أن يدعم التجارة والنقد الأجنبي، والموارد الزراعية والحيوانية يمكن أن تعزز الصادرات، لكن كل ذلك يحتاج إلى مؤسسات قوية وسياسات مستقرة وانضباط مالي ونقدي.
لذلك فإن القضية ليست هل نحذف ثلاثة أصفار أم لا؟
وليست أيضاً هل نربط الجنيه بالذهب أم لا؟
القضية الأهم هي كيف نبني اقتصاداً يجعل الجنيه السوداني جديراً بالثقة؟
فإذا استطعنا تحقيق ذلك، فإن حذف الأصفار يصبح مجرد إجراء فني، ويصبح الذهب أداة من أدوات دعم الاستقرار النقدي، لا محاولة للبحث عن حل سريع لأزمة الجنيه.
الجنيه السوداني لا يحتاج فقط إلى عملة جديدة، وإنما يحتاج إلى اقتصاد جديد يحمي قيمة العملة ويعيد للمواطن ثقته في مدخراته وفي مستقبل بلاده.

