*المغترب السوداني.. ثروة نقدية خارج النظام المصرفي*
*كيف نستعيد مليارات الدولارات إلى الاقتصاد الوطني؟*
*قاسم محمود محمد خليل*
*مصرفي مقيم بقطر*
تتناول هذه الورقة قضية أراها من أكثر القضايا إلحاحاً في الاقتصاد السوداني اليوم: كيف يمكن إعادة تحويلات السودانيين بالخارج إلى القنوات المصرفية الرسمية، بدلاً من ذهاب جزء كبير منها إلى السوق الموازي والقنوات غير الرسمية؟
فالمغترب السوداني يمثل في الظروف الراهنة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي الممكنة للاقتصاد الوطني. ليس فقط من خلال التحويلات المباشرة للأسر، وإنما أيضاً عبر المدخرات والاستثمارات والودائع وتمويل المشروعات وإعادة الإعمار.
أدت الحرب إلى تراجع النشاط الإنتاجي والصادرات، وتضررت قطاعات واسعة من الاقتصاد، وارتفعت الاحتياجات الاستيرادية والإنسانية، كما خرجت أعداد كبيرة من السودانيين إلى دول الجوار وغيرها.
نتيجة لذلك زاد الطلب على النقد الأجنبي في وقت تراجعت فيه قدرة الاقتصاد على توفيره عبر الصادرات والاستثمار والتدفقات الرسمية.
وفي مثل هذه الظروف تصبح تحويلات السودانيين بالخارج مورداً استراتيجياً لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تحويلات أسرية، بل مصدراً مهماً للنقد الأجنبي والسيولة والادخار والاستثمار.
لكن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي تدفع جزءاً كبيراً من هذه الموارد إلى خارج النظام المصرفي. وكلما اتسعت هذه الفجوة زادت الحوافز الاقتصادية للتحويل خارج القنوات الرسمية.
لذلك فإن المعالجة لا يمكن أن تعتمد على الدعوة الوطنية وحدها أو على الإجراءات الرقابية، وإنما يجب أن تقوم أساساً على خلق حافز اقتصادي يجعل القناة الرسمية أكثر جاذبية وأماناً وسرعة من السوق الموازي.
لماذا تذهب تحويلات المغتربين إلى القنوات غير الرسمية؟
السبب الأول هو فجوة سعر الصرف. فإذا حصل المستفيد داخل السودان على قيمة أعلى بصورة كبيرة عند استخدام السوق الموازي فإن القرار الاقتصادي يصبح واضحاً مهما كانت الدعوات لاستخدام القنوات الرسمية.
السبب الثاني ضعف الانتشار المصرفي. فلا تزال مناطق وقرى كثيرة تفتقر إلى الخدمات المصرفية المنتظمة، مما يجعل استلام التحويلات أكثر صعوبة خصوصاً في ظروف الحرب والنزوح.
السبب الثالث ضعف شبكة المراسلين. تضررت علاقات المصارف السودانية مع البنوك الخارجية خلال السنوات الماضية نتيجة العقوبات والمخاطر المصرفية، وحتى بعد رفع كثير من القيود بقيت مشكلة إعادة بناء علاقات المراسلين قائمة. وهذا يتطلب جهداً وطنياً منظماً تقوده السلطات النقدية والمصارف لإعادة بناء هذه الشبكة وتعزيز الثقة.
السبب الرابع سهولة وسرعة القنوات غير الرسمية. أصبحت التكنولوجيا والتطبيقات الرقمية تسهل التحويلات غير الرسمية بسرعة كبيرة، بينما قد تكون القنوات المصرفية الرسمية أكثر تعقيداً أو تكلفة أو بطئاً. والمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في عدم توظيفها بصورة رسمية ومنظمة لصالح النظام المصرفي.
السبب الخامس أزمة الثقة. فالمغترب يريد أن يطمئن إلى أن أمواله ستصل بسرعة، وأن يحصل على سعر صرف عادل، وأن يحافظ على قيمة مدخراته. إذا لم توفر المصارف هذه العناصر فسيبحث المواطن عن البديل.
تجارب الدول الأخرى تؤكد أن تحويلات العاملين بالخارج يمكن أن تصبح مورداً استراتيجياً عندما تتوافر البيئة المصرفية المناسبة. فالهند مثلاً بلغت تحويلات مواطنيها نحو 150.7 مليار دولار في 2025 وفق بيانات البنك الدولي، لتظل في صدارة الدول المستقبلة للتحويلات عالمياً.
هذه التجارب توضح أن تحويلات المغتربين لا تتحول إلى مورد ضخم تلقائياً، وإنما تحتاج إلى سعر صرف واقعي، وقنوات مصرفية سهلة، ومنتجات ادخارية جاذبة، وثقة، وسرعة، وحماية قانونية. وهذه هي العناصر التي ينبغي أن تشكل أساس السياسة السودانية الجديدة.
السودان نفسه شهد تجارب سابقة ناجحة. في فترات سابقة تم ربط بعض الامتيازات بالتحويل عبر القنوات الرسمية مثل طرح أراضي للمغتربين وحوافز تتعلق بالسيارات والأثاث، وكانت النتيجة دخول جزء مهم من أموال المغتربين إلى الجهاز المصرفي.
كما أن تجربة إدارة سعر الصرف خلال فترة تولي الدكتور صابر محمد الحسن منصب محافظ بنك السودان المركزي أثبتت أن اقتراب السعر المصرفي من سعر السوق يؤدي إلى تقليص الحافز الاقتصادي للسوق الموازي بدرجة كبيرة.
ماذا نحتاج الآن؟ لا نحتاج إلى مجرد حملة إعلامية تطالب المغترب بتحويل أمواله. بل نحتاج إلى منتج مصرفي سوداني جديد للمغتربين. منتج يقول للمغترب: حوّل أموالك عبر المصرف، وستحصل على سعر عادل، وخدمة سريعة، وعائد مجزٍ، وضمان لقيمة مدخراتك.
أول المقترحات هو إنشاء سعر صرف مصرفي تنافسي يسمح للمصارف بالعمل وفق أسعار مرنة تعكس ظروف السوق، مع إطار رقابي واضح من بنك السودان المركزي. الهدف ليس مطاردة السوق الموازي، وإنما تجفيف الحافز الاقتصادي الذي يغذيه.
كما نقترح إنشاء “حساب المغترب السوداني” يمكن فتحه إلكترونياً من الخارج، ويتيح التحويل المباشر، وسعر صرف تنافسي، وإمكانية الادخار بالدولار، وخدمات الدفع الإلكتروني، وإشعارات فورية.
ومن المهم أيضاً إنشاء “وديعة المغتربين المضمونة” بالعملات الأجنبية بعائد مناسب وضمان واضح، مع إمكانية الاحتفاظ بأصل الوديعة بالعملة الأجنبية وتحويل العائد للأسرة داخل السودان.
وهناك فكرة أخرى تستحق الدراسة وهي “الوديعة المرتبطة بمؤشر سعر الصرف” لحماية القوة الشرائية للمدخرات بدلاً من ترك المواطن مضطراً لحماية أمواله بشراء الدولار أو الذهب أو العقار. فإذا اطمأن المواطن إلى أن مدخراته لن تفقد قيمتها سيتغير سلوك الادخار من تخزين النقد إلى الإيداع في المصارف وتمويل الاقتصاد.
أقترح كذلك إنشاء “صندوق المغتربين لإعادة الإعمار” كصندوق استثماري وطني بإدارة مهنية وشفافة يوجه لتمويل مشروعات الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم والإسكان والزراعة والصناعة. ويستطيع المغترب المشاركة بمبالغ صغيرة أو كبيرة مقابل عائد واضح وضمانات قانونية.
يجب أيضاً التفكير في تحويل التحويلات من استهلاك فقط إلى ادخار واستثمار. يمكن للمصارف أن تقدم منتجات تسمح للمغترب بتقسيم تحويله الشهري بين الأسرة والادخار والاستثمار.
ولكي ينجح ذلك نحتاج إلى شبكة مصرفية تصل إلى القرى عبر الوكلاء المصرفيين والمحافظ الإلكترونية والهواتف المحمولة ومكاتب البريد والوحدات المتنقلة، بحيث يصبح استلام التحويل خدمة قريبة وسريعة مثل السوق الموازي ولكن بصورة رسمية وآمنة.
بالتوازي ينبغي إعادة بناء شبكة المراسلين المصرفيين من خلال التفاوض مع البنوك الإقليمية والدولية والالتزام الصارم بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتطوير أنظمة الامتثال وتقليل تكلفة التحويل.
كما يمكن إنشاء منصة رقمية وطنية للتحويلات تربط المغترب بالبنك الخارجي ثم بالمصرف السوداني ثم بالمستفيد، وتوضح سعر الصرف والرسوم وزمن الوصول وحالة العملية.
من الصعب القضاء على السوق الموازي بالقرارات الأمنية وحدها. السياسة الأكثر فاعلية هي تقليل الفارق السعري وتحسين الخدمة المصرفية وتسريع التحويل وحماية المدخرات وتوفير أدوات استثمارية. وعندما يصبح التعامل الرسمي أكثر فائدة للمواطن سيتراجع السوق الموازي تلقائياً.
ينبغي أيضاً تخصيص “نافذة المغتربين” في المصارف الكبرى مهمتها استقطاب التحويلات وإدارة الودائع وتقديم المنتجات الاستثمارية ومعالجة المشكلات والتواصل مع السودانيين بالخارج.
ولا يمكن إدارة هذا المورد دون بيانات، لذلك نقترح إنشاء قاعدة بيانات وطنية بالتنسيق بين بنك السودان والمصارف توضح حجم التحويلات الرسمية والدول الأكثر إرسالاً ومتوسط التحويل وعدد المستفيدين وتكلفة التحويل.
أقترح البدء ببرنامج تجريبي لمدة ستة أشهر تشارك فيه عدد من المصارف الرئيسية ويتم قياس حجم التحويلات الجديدة وعدد العملاء ومتوسط قيمة التحويل وزيادة الودائع بالنقد الأجنبي والفارق بين السعر المصرفي والموازي وزمن وصول الأموال ورضا العملاء.
ويمكن دراسة حزمة حوافز عملية تشمل إعفاءات وتسهيلات استثمارية وأولوية في مشروعات وبرامج إسكان وتمويل مشروعات صغيرة وشهادات ادخار بالدولار وأدوات تمويل لإعادة الإعمار، على أن تكون هذه الحوافز اقتصادية ومستدامة وليست امتيازات مؤقتة.
الرسالة الأساسية التي يجب أن تتغير هي الانتقال من “حوّل أموالك للوطن لأنه واجب وطني” إلى “حوّل أموالك عبر النظام المصرفي لأن هذا هو الخيار الأكثر أماناً وفائدة لك ولأسرتك وللوطن”. فالمواطنة مهمة، ولكن الحافز الاقتصادي هو الذي يصنع السلوك المستدام.
الخلاصة أن أموال السودانيين بالخارج ليست مجرد تحويلات أسرية، وإنما يمكن أن تكون أحد أهم روافع الاستقرار النقدي وإعادة الإعمار والنمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
التحدي الحقيقي ليس في إقناع المغترب بحب وطنه، فالسوداني في الخارج ظل عبر عقود من أكثر الفئات ارتباطاً بأسرته وبلده. التحدي الحقيقي هو أن نقدم له نظاماً مصرفياً يثق به، وسعراً عادلاً، وخدمة سريعة، وحماية حقيقية لمدخراته.
إن نجاح السودان في استعادة جزء معتبر من تحويلات المغتربين إلى النظام الرسمي سيحقق زيادة تدفقات النقد الأجنبي، ودعم الاحتياطيات، وتقليل الطلب على السوق الموازي، وتعزيز السيولة المصرفية، وتشجيع الادخار، وتمويل الاستثمار، ودعم إعادة الإعمار.
ولذلك يجب أن تتحول تحويلات المغتربين من ملف مصرفي محدود إلى مشروع وطني اقتصادي متكامل تشارك فيه الدولة والبنك المركزي والمصارف والقطاع الخاص والجاليات السودانية بالخارج.
*«استعادة ثقة المغترب.. تبدأ من سعر عادل وتنتهي باستثمار آمن»*
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يعيد الأمن والاستقرار إلى الوطن، وأن يوفق أبناءه في الداخل والخارج للمساهمة في إعادة بنائه ونهضته.
*قاسم محمود محمد خليل*
*مصرفي مقيم بقطر*

