*شكراً شيخ الأمين*
*بقلم: طارق شريف ساتي*
*رئيس التحرير : مجلة حواس*
من الأسرار التي أكشفها لأول مرة أنني في فترة الحرب كنت أحوّل مكان سكني، وبعد خروجي من منزلي في كافوري قررت عدم الإقامة في منزلنا الكبير بمدينة أمدرمان لدواعٍ أمنية، وقد منحني الله عز وجل بصيرة وحساً أمنياً عالياً في هذه الفترة رغم أنني أعتبر نفسي “زول درويش”.
في وقت انتشرت فيه مليشيا الدعم السريع في كل العاصمة، كان مجرد تفتيش هاتفي يمكن أن يعجل باغتيالي من المليشيا، وكنت لا أبالي وأكتب المقالات المساندة للجيش ولكن لا أكشف مكان سكني.
وفي رحلة التنقل أقمت في حي ود البنا العريق في شقة مستأجرة في زقاق ضيق بنفس الحي الذي يقطن فيه شيخ الأمين. وكانت تقيم معي أسرتي الصغيرة حيث رفضوا تركي لوحدي.
كنت أعلم أن مجرد اتصالي بشيخ الأمين سوف يقوم بالواجب ويقوم باستضافتي مع أسرتي كما فعل مع الآلاف ولكني لم أخبره، وأظنه الآن وهو يقرأ هذا المقال يرفع حاجب الدهشة لأنه لأول مرة يعرف إننى كنت أسكن على مسافة شارعين من منزله .
تابعت في هذه الفترة أول وصول لمليشيا الدعم السريع لحي ود البنا ولمسيد شيخ الأمين، وقد خرج لهم بشجاعة حتى تراجعوا عن المسيد.
في البداية كان واضحاً أن مهمة القوات الموجودة من مليشيا الدعم السريع استخباراتية، كانوا لا يتعرضون لأحد ويشترون الخبز من الأفران ولايعطون أحساس أنهم يراقبون الناس مع أنهم يفعلون ذلك ، ثم انقلبوا فجأة وعاثوا في الأرض فساداً.
تعرضت العمارة التي أسكن فيها لإطلاق نار كثيف في المساء، فغادرت صباح اليوم التالي إلى حي مدينة النيل بأمدرمان وكان من الأحياء التي تقع تحت سيطرة الجيش، وأقمت في شقة مستأجرة.
استعدت هذه الذكريات وأنا أزور شيخ الأمين أمس برفقة الإعلامي مصعب محمود والصحفي محمد عثمان الرضي في فيلته الأنيقة بمدينتي بالقاهرة الجديدة.
استقبلنا شيخ الأمين بحضور لا يعرف التثاؤب وكرم أصيل، وتحدث لنا حديثاً من القلب عن رحلة كفاحه مع العمل الإنساني في فترة الحرب، كيف أنقذ المئات من الموت، سقى وأطعم وداوى الجرحى، وكانت ابنته الطبيبة تقف مع الفريق الطبي من حيران الشيخ الذين قرروا البقاء في شجاعة نادرة.
الشيخ يوثق كل تجربته في فيديوهات مصورة، وعندما حكى لنا قصة الرجل الذي كانوا يرسلون له الطعام في منزله يومياً ولكن لظروف وجود اشتباك لم يتمكنوا من إرسال الطعام له لأسبوعين، فذهبوا له ووجدوا جثمانه قد تحلل.
لم أستطع إكمال الفيديو.
ما فعلته مليشيا الدعم السريع جرائم فظيعة، وهي تمنع وتحبس الناس وتمنعهم ليس من الأكل والشرب بل حتى من دفن الجثامين، وهنا قام شيخ الأمين بدور آخر وأشهد أنه ستر المئات من الجثث في مقابر خاصة في ميدان الشهداء الذي كان ملعباً لكرة القدم.
إنسانية شيخ الأمين في زمن الحرب نموذج فريد في العمل الإنساني، وما قام به هذا الرجل يفوق عمل وزارات ومؤسسات كبيرة، ومن حقه علينا على الأقل أن نقول له: *شكراً*.

