عندما يسبق القول و الحكمُ المعلومة
د. عادل التجاني
قال الله تعالى:
﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾
سورة الأحزاب: الآية 60
ولئن وردت الآية الكريمة في سياقها الخاص، فإن معنى الإرجاف يذكّر بخطورة نشر ما يثير الخوف والاضطراب دون تثبت، وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق بأموال الناس ومدخراتهم والثقة في الجهاز المصرفي والنقدي.
المشكلة ليست في نقد البنوك أو البنك المركزي؛ فالنقد المهني ضرورة للإصلاح والمساءلة. المشكلة تبدأ عندما يسبق الحكمُ اكتمالَ المعلومة، ويصبح الاستنتاج أكبر من قدرة البيانات المتاحة على إثباته.
ويعبّر Clifford Stoll عن جوهر هذه المسألة بقوله:
“Data is not information, information is not knowledge, knowledge is not understanding, understanding is not wisdom.”
وهذا التمييز بالغ الأهمية في التحليل الاقتصادي والمصرفي. فالبيان في حد ذاته Data، لكنه لا يصبح Information ذات دلالة إلا بعد وضعه في سياقه، ولا يقود إلى Knowledge قابلة للاستخدام إلا بعد تحليله وربطه ببقية المتغيرات، ثم يأتي الفهم الذي يسمح بإصدار حكم مهني رشيد.
فلا يمكن، مثلاً، الحكم على سلامة بنك من رقم منفرد عن الخسائر أو السيولة أو الديون المتعثرة أو الأرباح. الخسارة يجب أن تقارن برأس المال والاحتياطيات، والتعثر بالمخصصات والضمانات، والسيولة بالالتزامات ومواعيد استحقاقها، والأرباح وطبيعة الظروف التي تحققت فيها.
وقد يعاني البنك ضغطاً مؤقتاً في السيولة مع تمتعه بملاءة مالية جيدة، كما قد يمتلك سيولة في لحظة معينة بينما يعاني ضعفاً جوهرياً في نوعية أصوله أو رأسماله. ولذلك فإن السيولة ليست مرادفاً للملاءة، وضغط السيولة لا يعني بالضرورة الإعسار.
وتتجاوز خطورة التحليل الناقص حدود الخطأ الفني؛ لأن البنك مؤسسة تقوم في جانب أساسي من عملها على الثقة. فإذا بُنيت أحكام سلبية كبيرة على معلومات جزئية، فقد تدفع المودعين إلى السحب الاحترازي لأموالهم. وإذا تحول ذلك إلى سلوك جماعي، فقد يؤدي إلى ضغط فعلي على السيولة، وإجبار البنك على تسييل أصول أو تقليص التمويل.
وهنا قد يتحول التحليل الخاطئ من مجرد وصف للمخاطر إلى أحد العوامل المسببة لها.
وتزداد أهمية ذلك في السودان، حيث أحدثت الحرب تغيرات استثنائية في البيئة المصرفية: تدمير أصول وفروع، وتعطل أنشطة عملاء، وتضرر ضمانات، واضطراب الإنتاج والتجارة والتحويلات. ولذلك لا يجوز تفسير الأرقام المصرفية بمعزل عن الظروف التي أنتجتها. فالخسارة الناتجة عن تدمير أصل بسبب الحرب تختلف اقتصادياً عن الخسارة الناتجة عن ضعف الإدارة، كما أن تعثر مشروع توقف بسبب الحرب يختلف عن تعثر نشأ أصلاً عن قرار ائتماني ضعيف.
وينطبق المبدأ نفسه على البنك المركزي.
من المشروع والضروري نقد سياساته، ولكن اختزال تقييم أدائه في حركة سعر الدولار وحدها يمثل تبسيطاً لمتغير اقتصادي كلي تحدده مجموعة واسعة من العوامل.
فسعر الصرف يتأثر بالإنتاج والصادرات والواردات، وتدفقات النقد الأجنبي، والعجز المالي، والتمويل الحكومي، والسيولة المحلية، والتوقعات والمضاربة، وتحويلات العاملين بالخارج، وحركة رؤوس الأموال، والحرب، إضافة إلى السياسة النقدية وإجراءات البنك المركزي.
لذلك فإن السؤال العلمي ليس فقط: ماذا حدث لسعر الصرف؟ وإنما: لماذا حدث؟ وما الوزن النسبي للعوامل المؤثرة فيه؟ وما الجزء الذي يقع تحت سيطرة البنك المركزي؟ وما الأدوات التي استخدمها؟ وما البدائل التي كانت متاحة؟
فالخبير الاقتصادي أو المصرفي لا يخاطب المتخصصين وحدهم؛ فكلمته قد تتحول إلى قرار لمودع أو مستثمر أو شركة أو متعامل في سوق النقد الأجنبي. ومن هنا تصبح الدقة في تحديد حدود المعلومات جزءاً من المسؤولية المهنية.
والقول: «لا تتوافر لدي معلومات كافية لإصدار حكم نهائي» ليس ضعفاً في التحليل، بل قد يكون أكثر علمية من إصدار حكم قاطع استناداً إلى بيانات ناقصة.
نحتاج إلى نقد البنوك، ونحتاج إلى نقد البنك المركزي، ولكن النقد الاقتصادي الجاد يبدأ بالمعلومة، ثم التحليل، ثم الحكم؛ وليس العكس.
فلا نحكم على بنك من رقم واحد، ولا على الملاءة من ضغط السيولة، ولا على جودة الأصول من حجم التمويل وحده، ولا على البنك المركزي من سعر الدولار وحده.
النقد القوي ليس الأكثر حدة، وإنما الأكثر اكتمالاً للمعلومات، والأدق في تفسيرها، والأقدر على التمييز بين البيانات والمعلومة والتحليل
نخلص من ذلك الي ان النشاط المصرفي، قد تتحول المعلومة الناقصة أو غير الموضوعة في سياقها إلى صدمة ثقة تفوق في أثرها الاقتصادي أهمية المعلومة ذاتها. فإذا دفعت المودعين إلى السحب الاحترازي للودائع، تتراجع سيولة البنوك وقدرتها على منح التمويل، وترتفع الحاجة إلى تسييل الأصول، وينكمش الائتمان الموجه للإنتاج والتجارة. ومع اتساع دائرة القلق قد تنتقل الأموال من الجهاز المصرفي إلى النقد المكتنز أو العملات الأجنبية والذهب، فتزداد الضغوط على سعر الصرف وترتفع تكلفة التمويل وتتراجع فعالية السياسة النقدية.
وهكذا قد تتحول معلومة ناقصة إلى توقعات سلبية، والتوقعات إلى سلوك جماعي، والسلوك إلى نتائج اقتصادية حقيقية؛ وهو ما يجعل الثقة في النظام المصرفي أصلاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن رأس المال والسيولة
نخلص من كل ذلك الي أن الجهاز المصرفي يتصف بحساسيه شديدة للنقد غير الموضوعي والمبني علي معلومات ناقصة اذ يعتمد كليا علي ثقة المودعين ولكن قطعا لا يحتاج إلى حصانة من النقد، وإنما يحتاج إلى نقد مسؤول مبني علي تحليل علمي
وفي الظروف الحالية قد تكون الكلمة جزءاً من العلاج، وقد تصبح إذا افتقدت الدقة والمسؤولية جزءاً من الأزمة.
د. عادل التجاني
خبير مصرفي

