الدولار يحلّق.. والجنيه ينزف: من يدير أزمة النقد الأجنبي في السودان؟
– المستورد الذي يحصل على الدولار بالسعر الرسمي يصبح لديه حافز لإعادة بيعه أو تسعير سلعه على أساس السوق الموازي.
الدوحة حسن ابوعرفات
معالجة أزمة الدولار، يحتاج إلى خطوة أعمق: وأن ننتقل من سؤال «لماذا يرتفع الدولار؟» إلى سؤال «لماذا فقد الاقتصاد السوداني قدرته على توليد الدولار والاحتفاظ به داخل النظام المصرفي؟».
والخلاصة التي أراها: أزمة الدولار في السودان ليست أزمة سعر صرف بالمعنى الضيق، وإنما أزمة حرب وإنتاج وصادرات وثقة ومؤسسات وإدارة موارد في وقت واحد. ولذلك فإن مطاردة الدولار في السوق الموازي وحدها لن تنجح.
هناك قدر كبير من الوجاهة في الطرح الذي يقول إن ارتفاع الدولار ليس مفاجئاً؛ لأن العوامل التي تدفع إليه ما زالت قائمة.
لكن ينبغي التفريق بين ثلاثة أنواع من العوامل:
1. عوامل حقيقية: انخفاض الإنتاج والصادرات وتوقف قطاعات اقتصادية.
2. عوامل نقدية ومالية: عجز الموازنة، تمويل الحرب، ضعف الجهاز المصرفي وتعدد أسعار الصرف.
3. عوامل مضاربة وتوقعات: شراء الدولار خوفاً من ارتفاعه، وتحويله إلى مخزن للقيمة، والمضاربة في السوق الموازي.
والخطأ هو التعامل مع النوع الثالث وكأنه أصل المشكلة.
الدولار يرتفع لأن المعروض منه انكمش بشدة
السودان كان يعتمد تاريخياً على عدة مصادر للعملة الأجنبية: النفط، الذهب، الصادرات الزراعية والحيوانية، الصمغ العربي، التحويلات، والاستثمار.
الحرب ضربت معظم هذه المصادر في وقت واحد.
فالقطاع الزراعي، مثلاً، تعرض لتدمير واضطراب شديدين؛ وتفيد دراسة حديثة لـUNDP وITC بأن نحو 90% من المزارعين والمنتجين الذين شملهم المسح أبلغوا عن انخفاض في المحاصيل، وأن الحرب أدت إلى تفكك الأسواق وسلاسل القيمة. لكنها في الوقت نفسه حددت سبع سلاسل يمكن أن تصبح محركات للتعافي، منها السمسم والفول السوداني والصمغ العربي والماشية.
وهنا تكمن المفارقة السودانية:
الدولة تحتاج الدولار لشراء الغذاء والوقود والدواء والمدخلات، لكنها لا تنتج ما يكفي من الدولار لتمويل هذه الواردات.
ثانياً: الذهب هو مفتاح الأزمة وليس مجرد بند في الصادرات
أعتقد أن هذه هي النقطة الأهم في الموضوع كله.
السودان يمتلك مورداً ذهبياً ضخماً، لكن المشكلة ليست فقط في حجم الإنتاج، وإنما في من يشتري الذهب؟ وأين يذهب؟ وبأي سعر؟ وكيف تدخل حصيلته إلى الجهاز المصرفي؟
توجد فجوة كبيرة تاريخياً بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية. ووفق بيانات نقلتها مصادر سودانية، بلغ إنتاج 2025 نحو 70 طناً، بينما لم يسجل البنك المركزي صادرات رسمية سوى نحو 14 طناً. وفي أغسطس 2026 أعلنت الحكومة أن صادرات الذهب الرسمية خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 بلغت مستوى يساوي إجمالي صادرات 2025 الرسمية، مع إجراءات جديدة للحد من التهريب.
هذه نقطة مهمة جداً:
كل طن ذهب يخرج خارج النظام الرسمي يعني عملياً أن السودان يفقد مصدراً محتملاً للنقد الأجنبي.
لكن الحل ليس مجرد إصدار قرار يقول «منع تهريب الذهب».
لأن المهرب يتحرك عندما تكون المنظومة الرسمية أقل جاذبية من السوق غير الرسمي.
لذلك يجب أن تكون المعادلة:
سعر شراء رسمي عادل + سرعة دفع + تصدير سريع + ضرائب معقولة + حماية المنتج + شفافية + رقابة إلكترونية = تضييق مساحة التهريب.
وقد اتخذ بنك السودان في مايو 2026 خطوة في هذا الاتجاه عندما عدّل قواعد تسعير وتصدير الذهب، وربط التسعير اليومي بالسعر العالمي مع خصم محدد، وأزال بعض القيود على استخدام حصيلة الصادرات.
لكن المطلوب أكبر من تعديل منشور أو منشورين.
ثالثاً: لا يمكن تثبيت الجنيه بالقوة
هذه نقطة أرى أنها يجب أن تكون محور أي سياسة جديدة.
إذا حاول البنك المركزي أن يقول:
«الدولار سعره كذا»
بينما السوق يقول شيئاً آخر، فسوف تظهر ثلاثة أسعار:
* سعر رسمي.
* سعر مصرفي.
* سعر موازي.
وهنا تبدأ المضاربة.
والأخطر أن المستورد الذي يحصل على الدولار بالسعر الرسمي يصبح لديه حافز لإعادة بيعه أو تسعير سلعه على أساس السوق الموازي.
وقد شهد السودان بالفعل محاولات لتوحيد سعر الصرف المستخدم في تمويل الواردات، وسط استمرار ضعف الجنيه في السوق الموازي.
لذلك المطلوب ليس تثبيت سعر الجنيه بقرار إداري، وإنما بناء سوق صرف أكثر توحيداً وشفافية.
رابعاً: لماذا لا تكفي محاربة تجار العملة؟
لأن هناك سؤالاً اقتصادياً بسيطاً:
لماذا يشتري المواطن أو التاجر الدولار من السوق الموازي؟
إذا كان الدولار متاحاً بصورة منتظمة في البنوك وبسعر قريب من سعر السوق، فسوف تنكمش السوق الموازية تلقائياً.
أما إذا كان الدولار شحيحاً في البنوك، فسوف يجد السوق الموازي دائماً زبائنه.
لذلك:
السوق الموازي نتيجة للخلل، وليس الخلل كله.
ومطاردة صغار تجار العملة دون إصلاح مصادر الطلب والعرض تشبه محاولة خفض درجة حرارة المريض دون علاج الالتهاب.
خامساً: المشكلة الأكبر هي الطلب على الدولار
هناك جانب آخر مهم في النص الذي طرحتموه: الواردات.
السودان يحتاج إلى الدولار لاستيراد:
* الوقود
* القمح والغذاء
* الأدوية
* قطع الغيار
* الآلات
* المدخلات الزراعية
* مدخلات الصناعة
* النقل والطاقة.
إذا لم نضع أولوية واضحة للواردات فسوف تتنافس كل القطاعات على الدولار.
والحل هنا ليس حظر السلع بصورة عشوائية، وإنما إنشاء نظام ذكي لإدارة النقد الأجنبي.
مثلاً:
الفئة الأولى:
دواء، غذاء، وقود، مدخلات إنتاج، بذور، أسمدة، معدات طاقة.
الفئة الثانية:
آلات ومعدات صناعية وإنتاجية.
الفئة الثالثة
سلع ضرورية ولكن لها بدائل محلية.
الفئة الرابعة:
سلع كمالية يمكن تأجيلها.
وبالتالي لا تمنع الدولة الاستيراد، وإنما تدير الأولويات.
سادساً: الصادر هو المعركة الحقيقية
لا يمكن للسودان أن يخرج من أزمة الدولار إذا بقي اقتصاداً يستورد أكثر مما يصدر.
وهنا أرى أن الحكومة ينبغي أن تنتقل من مفهوم:
«وزارة التجارة»
إلى مفهوم:
«منظومة وطنية لتعظيم حصيلة الصادرات».
والأولوية يجب أن تكون للسلع التي يستطيع السودان إنتاجها بسرعة.
وهنا توجد فرصة حقيقية في:
* الذهب.
* السمسم.
* الفول السوداني.
* الصمغ العربي.
* الماشية واللحوم.
* السمسم والزيوت.
* الحبوب.
* الهبiscus/الكركديه.
* المنتجات الزراعية المصنعة.
وتؤكد دراسة UNDP/ITC الحديثة أن هذه السلاسل تحديداً يمكن أن تكون أساساً لاستعادة التجارة والدخل وتقليل الاعتماد على المساعدات.
لكن لا ينبغي تصدير المادة الخام فقط.
مثلاً:
بدلاً من تصدير الفول السوداني خاماً → زيت + كسب + منتجات غذائية.
بدلاً من تصدير الماشية حية → لحوم مصنعة ومبردة.
بدلاً من تصدير السمسم → زيوت ومنتجات غذائية.
بدلاً من تصدير الصمغ الخام → منتجات ذات قيمة مضافة.
وهكذا يتحول الدولار من عائد محدود إلى سلسلة من العوائد.
سابعاً: النفط مشكلة استراتيجية
النفط يمثل جانباً بالغ الحساسية.
الحرب أضرت بالبنية النفطية والمصافي والنقل والطاقة، والسودان أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود. وتؤكد تقارير حديثة أن تدمير البنية التحتية للطاقة والكهرباء يعطل النشاط الاقتصادي ويزيد تكلفة الإنتاج.
لذلك فإن كل دولار ينفق على استيراد الوقود يمثل ضغطاً على سعر الصرف.
وهنا لا بد من:
إعادة تأهيل المصافي + حماية خطوط النقل + رفع كفاءة الطاقة + التوسع في الطاقة الشمسية + تقليل الفاقد.
فالطاقة ليست ملفاً خدمياً فقط؛ إنها ملف نقد أجنبي.
ثامناً: ما الذي يجب فعله فوراً؟
أقترح إنشاء «برنامج وطني لاستقرار سعر الصرف والنقد الأجنبي» لمدة 12 شهراً، لا يكون مجرد قرار من البنك المركزي، بل برنامجاً سيادياً تشارك فيه المالية، البنك المركزي، التجارة، المعادن، الزراعة، النفط، الجمارك، الأمن الاقتصادي والقطاع الخاص.
ويقوم على عشرة محاور:
1. توحيد سوق الصرف تدريجياً
إنهاء الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي، وليس إعلان سعر إداري لا يستطيع البنك الدفاع عنه.
2. تحويل الذهب إلى قناة رئيسية للنقد الأجنبي
منجم → مشتري مرخص → بنك → مصفاة → تصدير → حساب مصرفي.
مع نظام إلكتروني لتتبع الذهب من المنجم إلى التصدير.
3. إنشاء «نافذة صادرات»
كل مصدر يحصل على خدمة مصرفية سريعة وشفافة لإعادة حصيلة الصادر.
4. إعطاء حوافز لمن يعيد حصيلة الصادرات
بدلاً من الاقتصار على العقوبات.
5. تشديد الرقابة على تهريب الذهب والعملات
لكن مع التركيز على الشبكات الكبيرة لا صغار المتعاملين فقط.
6. إدارة الواردات وفق الأولويات
الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج أولاً.
7. تمويل الإنتاج بالدولار أو الجنيه بحسب طبيعة القطاع
خصوصاً الزراعة والصناعة والتعدين.
8. إطلاق برنامج عاجل للصادرات الزراعية
خصوصاً في المناطق الآمنة.
9. ضبط الإنفاق الحكومي
لا يمكن للبنك المركزي أن يحارب التضخم بينما السياسة المالية تضغط عليه لتمويل العجز.
10. نشر بيانات أسبوعية
عن:
* احتياطيات النقد الأجنبي.
* صادرات الذهب.
* حصيلة الصادر.
* تمويل الواردات.
* سعر الصرف.
* حجم تدخل البنك المركزي.
الشفافية نفسها أداة اقتصادية.
تاسعاً: أهم نقطة سياسية
هناك ارهاصات بوجود مشكلة أعمق من الدولار:
تعدد مراكز القرار الاقتصادي.
وهذه مشكلة خطيرة.
المستثمر والمصدر والتاجر لا يستطيعون العمل في بيئة:
قرار اليوم → تعديل غداً → استثناء بعد غد → تراجع بعد أسبوع.
لأن الاقتصاد يحتاج إلى قابلية للتنبؤ.
وقد تكون السياسة الاقتصادية الصعبة مقبولة لدى القطاع الخاص إذا كانت واضحة وثابتة.
لكن أسوأ شيء هو:
قرار صعب + عدم وضوح + استثناءات + تراجع.
لأن ذلك يخلق سوقاً للمعلومات والامتيازات.
عاشراً: يجب تغيير فلسفة التعامل مع الدولار
بدلاً من أن يكون السؤال:
كيف نخفض الدولار؟
يجب أن يصبح:
كيف نزيد كمية الدولارات التي تدخل النظام المصرفي السوداني؟
وهذا يقودنا إلى المعادلة الأساسية:
الدولار الداخل − الدولار الخارج = صافي وضع النقد الأجنبي.
ولذلك فإن الحل الحقيقي له جانبين:
زيادة الداخل:
ذهب + زراعة + ماشية + صمغ عربي + تحويلات + استثمار + صادرات صناعية.
تقليل الخارج:
تقليل الواردات الكمالية + إصلاح الطاقة + تقليل التهريب + ترشيد المشتريات الحكومية + إحلال الواردات بالإنتاج المحلي.
والأهم: لا نريد «حرباً على الدولار» بل «حرباً على أسباب الدولار»
وهنا أختلف قليلاً مع بعض لغة النص الذي أوردتموه.
ان اتهام «غرف إعلامية» أو «دول ومنظمات شريرة» قد يكون صحيحاً في حالات محددة، لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الرواية إلى تفسير شامل لانهيار العملة.
حتى لو أوقفنا كل المضاربين غداً، سيبقى الدولار مرتفعاً إذا:
* الإنتاج منخفض،
* الصادرات ضعيفة،
* النفط متعطل،
* الصناعة مدمرة،
* الاستيراد مرتفع،
* المالية تعاني عجزاً،
* الثقة في الجنيه ضعيفة.
الأمم المتحدة نفسها تتحدث الآن عن اقتصاد حرب في السودان، حيث أصبحت السيطرة على الموارد والطرق والسلع جزءاً من تمويل الصراع، بما في ذلك الذهب والماشية والصمغ العربي.
وهذا يعني أن معالجة العملة مرتبطة أيضاً بإنهاء اقتصاد الحرب.
واخيراً أقول :
أزمة الدولار السوداني ليست أزمة دولار.:
إنها أزمة إنتاج، وصادرات، وحرب، وثقة، وطاقة، ومالية عامة، وحوكمة.
ولهذا فإن الحل ليس:
منع الدولار،
اعتقال المضاربين،
إصدار منشور،
أو تثبيت سعر الصرف.
بل بناء منظومة متكاملة:
السلام والأمن → الإنتاج → الصادرات → دخول حصيلة الصادر إلى البنوك → إدارة الواردات → انضباط المالية العامة → توحيد سوق الصرف → استعادة الثقة بالجنيه
والله المستعان

