شركة أم هيئة؟.. أي نموذج يخدم مطارات السودان؟
محمد حمد أبوعول
ليس السؤال اليوم هل الأفضل أن تكون مطارات السودان هيئة عامة أم شركة حكومية؟ وإنما السؤال الأهم أي نموذج يمنح الدولة الرقابة التي تريدها، وفي الوقت نفسه يتيح للمؤسسة الكفاءة والاستقلالية والقدرة على التطور؟
عندما تحولت المؤسسة إلى شركة، كان الهدف المفترض هو الانتقال من الإدارة الحكومية التقليدية إلى نموذج تجاري أكثر مرونة، يستطيع تنمية الإيرادات، واستثمار الأصول، وإبرام الشراكات، وسرعة اتخاذ القرار، وربط المسئولية بالنتائج.
لكن المشكلة تبدأ عندما تحتفظ الدولة بكل أدوات التدخل التي كانت تمارسها على الهيئة، بينما تطلب من الشركة أن تعمل بعقلية تجارية.
فالدولة لا تكتفي بتعيين المدير العام وإجازة الموازنة، بل يمتد تدخلها إلى تحديد الصلاحيات المالية، واشتراط الحصول على الموافقات في القرارات والعمليات المالية، والمشاركة في إجراءات المشتريات والعطاءات، وفرض أنماط من الرقابة والتدخل في العمل التنفيذي، إلى جانب طلب التقارير الدورية والمراجعة الداخلية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري إذا كانت الدولة تحدد سقف الصلاحيات المالية، وتتدخل في المشتريات والعطاءات، وتشارك في اتخاذ القرارات التنفيذية، فما المساحة المتبقية للإدارة حتى تتحمل مسئولية الأداء؟
لا أحد يجادل في حق الدولة في الرقابة على شركة تملكها، بل إن الرقابة أمر ضروري، خصوصاً في قطاع استراتيجي كقطاع المطارات. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الرقابة على الأداء والالتزام وبين المشاركة في الإدارة التنفيذية.
الدولة بصفتها مالكاً ينبغي أن تضع السياسات والأهداف الاستراتيجية، وتحدد مؤشرات الأداء، وتراقب الالتزام بالقوانين، وتحاسب مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية على النتائج. أما القرارات التشغيلية والمالية اليومية، والمشتريات والعطاءات، فينبغي أن تكون من اختصاص الشركة وفق لوائح وضوابط معتمدة، لا أن تتحول كل عملية إلى سلسلة من الموافقات الخارجية التي تعطل القرار وتضعف المسئولية.
فالرقابة الحقيقية لا تعني أن تشارك الدولة في كل قرار وإنما أن تضع نظاماً يمنع التجاوز ويكشفه ويحاسب عليه.
وهنا تحديداً يصبح السؤال حول العودة إلى الهيئة العامة مشروعاً.
فإذا كانت الدولة لا تزال تريد أن تمارس على الشركة ذاتها مستوى التدخل الذي كانت تمارسه على الهيئة، فإن الشكل القانوني للشركة يصبح محل مراجعة. لأن الشركة يفترض أن تتمتع بقدر من الاستقلال الإداري والمالي يمكنها من العمل بكفاءة، وإلا فإننا نكون قد غيرنا الاسم دون أن نغير جوهر الإدارة.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى العودة إلى الهيئة باعتبارها حلاً سحرياً. فالهيئة قد تكون أكثر عرضة للبيروقراطية وبطء القرار والتدخل السياسي وضعف الحافز التجاري. ولذلك فإن العودة، إذا تمت، يجب أن تكون إلى هيئة حديثة ذات إدارة احترافية ونظام حوكمة ومؤشرات أداء ومساءلة واضحة.
أما إذا أرادت الدولة الإبقاء على الشركة، فعليها أن تحسم العلاقة معها. الدولة مالك ورقيب، وليست إدارة تنفيذية موازية. عليها أن تضع القواعد، ثم تترك للشركة إدارة أعمالها ضمن تلك القواعد، وتحاسبها على النتائج.
فلا يمكن أن نطلب من الإدارة زيادة الإيرادات وتحسين الأداء، ثم نقيد قدرتها على الإنفاق والتعاقد والمشتريات، ونشاركها في العطاءات، ونحدد لها الصلاحيات المالية، ثم نحاسبها على بطء التنفيذ وضعف النتائج.
هذه هي مشكلة المسئولية بلا سلط.
وفي النهاية، فإن القضية ليست شركة أم هيئة من حيث الاسم، وإنما وضوح العلاقة بين المالك والمدير.
إذا كانت الدولة تريد شركة، فعليها أن تمنحها استقلالية الشركة وتحاسبها على النتائج.
وإذا كانت تريد أن تتحكم في التعيين والموازنة والصلاحيات المالية والمشتريات والعطاءات والقرارات التنفيذية، فمن الأفضل أن تكون صريحة مع نفسها ومع المؤسسة، وأن تعود إلى نموذج الهيئة العامة، ولكن بهيئة حديثة تدار بأساليب إدارية وتجارية متطورة.
أما إبقاء المؤسسة شركة في القانون، بينما تمارس الدولة عليها صلاحيات الهيئة في الواقع، فهو نموذج هجين يجمع عيوب النظامين ولا يستفيد من مزايا أي منهما.
المطارات تحتاج إلى دولة تضع السياسات وتحمي المرفق، وإدارة تملك القرار وتتحمل المسئولية. أما أن تتوزع السلطة بين الطرفين بينما تبقى المسئولية على الإدارة وحدها، فذلك لا يصنع مؤسسة ناجحة.
والسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الدولة اليوم ليس: شركة أم هيئة؟، بل هل تريد أن تملك الشركة فقط، أم تريد أن تديرها أيضاً؟
فإذا أرادت الإدارة، فالهيئة أكثر اتساقاً. وإذا أرادت شركة، فعليها أن تمنحها الاستقلالية التي تجعلها شركة بالفعل.

