الحوكمة المصرفية: حماية الثقة وتحويل السياسة إلى ممارسة
د. عادل التجاني
قال الله تعالى:
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾
سورة يوسف: الآيتان 47–48
تحمل هذه الآيات، في سياق قصة يوسف عليه السلام، معنى اقتصادياً وإدارياً بالغ الأهمية: قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، والتخطيط قبل وقوع الأزمة، وتكوين الاحتياطيات في سنوات الوفرة لمواجهة سنوات الشدة. وهذا في جوهره ما تقوم عليه الإدارة المصرفية الرشيدة: رأس المال قبل الخسارة، والسيولة قبل السحب المفاجئ، والمخصصات قبل تحقق التعثر، والتخطيط للمخاطر قبل وقوعها.
انتهينا في المقال السابق إلى أن الثقة أصل اقتصادي لا يقل أهمية عن رأس المال والسيولة، وأن المعلومة الناقصة قد تتحول إلى توقعات سلبية، ثم إلى سلوك جماعي ونتائج اقتصادية حقيقية. ولكن حماية الثقة لا تكون فقط بمطالبة الآخرين بالتثبت قبل نقد البنوك؛ فالمصرف نفسه مطالب ببناء نظام يجعل هذه الثقة مستحقة.
وهنا تبدأ الحوكمة.
فالحوكمة ليست لوائح ولجاناً تُنشأ لاستيفاء متطلبات بنك السودان، وإنما منظومة تحدد: من يضع السياسة؟ ومن يتخذ القرار؟ ومن ينفذه؟ ومن يقيس مخاطره؟ ومن يراقبه؟ ومن يتحمل المسؤولية عند الانحراف؟
فكلما كانت هذه المسؤوليات واضحة، انتقلت المؤسسة من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسة.
من يضع السياسة ومن ينفذها؟
يقع مجلس الإدارة في قمة منظومة الحوكمة، ومسؤوليته تحديد الاتجاه الاستراتيجي، واعتماد السياسات الرئيسية، والإشراف على الإدارة التنفيذية، ومراقبة المخاطر ورأس المال والسيولة والرقابة الداخلية.
أما الإدارة التنفيذية فمسؤوليتها تحويل تلك السياسات إلى ممارسة ونتائج.
وهنا يظهر الفرق بين وجود السياسة وحوكمة السياسة.
فقد يمتلك البنك سياسة ممتازة للتمويل، لكنها لا تحميه إذا جرى تجاوزها. وقد يعتمد حدوداً واضحة للتركيز والمخاطر، لكنها تفقد قيمتها إذا أصبحت الاستثناءات هي القاعدة.
لذلك فإن السياسة التي لا تُطبق ليست حوكمة، واللائحة التي يمكن تجاوزها دون مساءلة ليست رقابة.
الحوكمة تحمي القرار
لا تعتمد الحوكمة على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وحدهما. فالإدارة التي تنشئ المخاطر تتحمل مسؤولية إدارتها، وتأتي وظائف المخاطر والالتزام لمراقبتها بصورة مستقلة، ثم المراجعة الداخلية لتقييم سلامة النظام والضوابط.
لكن وجود هذه الإدارات في الهيكل التنظيمي لا يكفي.
السؤال الأهم: هل تستطيع إدارة المخاطر الاعتراض على قرار يتجاوز قدرة البنك؟ وهل تستطيع إدارة الالتزام رفع المخالفات؟ وهل تستطيع المراجعة الداخلية الوصول إلى المعلومات ورفع نتائجها باستقلال إلى المستويات المختصة؟
فالفرق كبير بين حوكمة موجودة على الورق وحوكمة تعمل في الواقع.
وأين يأتي بنك السودان؟
إذا كانت الحوكمة الداخلية خط الدفاع داخل البنك، فإن بنك السودان المركزي يمثل المظلة الرقابية للجهاز المصرفي.
ودوره ليس إدارة البنوك نيابة عن مجالس إداراتها، وإنما وضع الإطار الرقابي والتأكد من سلامة الحوكمة وإدارة المخاطر ورأس المال والسيولة والالتزام، والتدخل عندما تصبح المخاطر أو المخالفات مهددة لحقوق المودعين أو سلامة البنك والنظام المصرفي.
وهنا يجب التمييز بين التنظيم Regulation والرقابة Supervision.
إصدار المنشور يضع القاعدة؛ أما الرقابة فتتأكد من تطبيقها.
ولذلك لا تقاس قوة الرقابة بعدد المنشورات وحدها، وإنما بقدرتها على اكتشاف الانحراف مبكراً، وطلب تصحيحه، ومتابعة التنفيذ، والتدخل في الوقت المناسب.
الحوكمة تحدد المسؤولية
هذه المسألة مهمة أيضاً عند نقد البنوك وبنك السودان.
فإذا اتخذ بنك قراراً تمويلياً خاطئاً داخل صلاحياته، فلا يصبح البنك المركزي مسؤولاً تلقائياً عن القرار. وفي المقابل، إذا تراكمت مخاطر أو مخالفات جوهرية كان يفترض أن تكشفها الرقابة وتتدخل لمعالجتها، فإن المسؤولية لا تتوقف عند إدارة البنك.
الحوكمة الجيدة تسمح بالسؤال العلمي:
هل الخلل في السياسة التي اعتمدها مجلس الإدارة؟ أم في تنفيذ الإدارة؟ أم في إدارة المخاطر؟ أم في المراجعة؟ أم في المجلس الذي تلقى التحذير ولم يتصرف؟ أم في الرقابة المصرفية التي كانت لديها المؤشرات ولم تتدخل في الوقت المناسب؟
والهدف ليس توزيع الاتهامات، وإنما تحديد موضع الخلل حتى يمكن إصلاحه.
الحوكمة في ظروف الحرب
وتصبح الحوكمة أكثر أهمية في السودان بسبب الظروف التي خلقتها الحرب من تدمير للأصول والفروع، وتعطل العملاء، وتضرر الضمانات، وارتفاع مخاطر الائتمان والسيولة والتشغيل.
وقد تتطلب الأزمة منح الإدارات صلاحيات ومرونة أكبر لاتخاذ قرارات سريعة، لكن زيادة الصلاحيات يجب أن تقابلها زيادة في التوثيق والرقابة والمساءلة.
فالظروف الاستثنائية قد تبرر القرار الاستثنائي، لكنها لا تبرر غياب الحوكمة.
الحوكمة والثقة
وتعود بنا الحوكمة في النهاية إلى القضية الأساسية: الثقة.
فالمودع لا يستطيع معرفة تفاصيل كل تمويل أو أصل أو قرار داخل البنك، ولكنه يضع أمواله فيه لأنه يفترض وجود مجلس مسؤول، وإدارة مؤهلة، ونظام للمخاطر والالتزام والمراجعة، ورقابة من البنك المركزي.
ولذلك فإن الثقة المصرفية ليست ثقة في الأشخاص وحدهم، وإنما ثقة في النظام الذي يحكم الأشخاص والقرارات.
والحوكمة تحمي الإدارة الجيدة أيضاً؛ فعندما تكون الصلاحيات واضحة والقرارات موثقة وتحذيرات المخاطر مسجلة، يمكن تقييم القرار وفق المعلومات والظروف التي كانت متاحة عند اتخاذه، وليس فقط وفق نتيجته النهائية.
فليس كل قرار انتهى بخسارة قراراً خاطئاً، كما أن ليس كل قرار انتهى بربح قراراً سليماً.
ونخلص من ذلك إلى أن إصلاح الجهاز المصرفي السوداني بعد الحرب لا يقتصر على إعادة بناء الفروع وزيادة رؤوس الأموال والسيولة وتطوير التقنية؛ بل يحتاج كذلك إلى إعادة بناء الثقة من خلال حوكمة مؤسسية حقيقية.
حوكمة تجعل التخطيط سابقاً للأزمة، والمعلومة سابقة للقرار، والسياسة سابقة للتنفيذ، والرقابة ملازمة له، والمساءلة حاضرة عند الانحراف.
وهذا يعيدنا إلى المعنى الاقتصادي العميق في قصة يوسف عليه السلام: الاستعداد لسنوات الشدة قبل أن تأتي.
فإذا كانت الثقة روح العمل المصرفي، فإن الحوكمة هي النظام الذي يحمي هذه الروح؛ وإذا كان رأس المال والسيولة يحميان البنك مالياً، فإن الحوكمة تحميه مؤسسيا.

