السودان .. لكلٍّ دوره في صناعة الغد
كتبت / إيثار عمر عبدالحميد
بعد أن بدأت الحياة تستعيد بعض ملامحها في الخرطوم، وبعد أن عادت الحركة إلى عدد من المناطق الآمنة، وبدأ السودانيون ينظرون إلى ما بعد الحرب بعينٍ مختلفة، لم يعد السؤال فقط كيف انتصرنا في معركة الكرامة ؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً كيف نبني السلام الذي يستحقه هذا الانتصار ؟
يقف السودان اليوم أمام مرحلة تاريخية دقيقة، مرحلة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق البناء، ومن حماية الدولة والمجتمع إلى إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها، ومن معالجة آثار الخراب إلى صناعة مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً
وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح الحوار السوداني ـ السوداني ضرورة وطنية، لا ترفاً سياسياً ولا منصة لتبادل الاتهامات أو إعادة تدوير الوجوه والمواقف ذاتها
نحن ندعم الحوار السوداني ـ السوداني، ونؤمن بأن مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون أنفسهم، بعيداً عن الإملاءات الخارجية وبعيداً عن اختزال الأزمة في مجموعة محدودة من القوى أو النخب
لكن دعم الحوار لا يعني بالضرورة القبول بكل تفاصيله أو بكل الأسماء المشاركة فيه، فالتحفظ على بعض أعضاء أي لجنة أو آلية للحوار لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفضاً للحوار نفسه، وإنما دعوة لأن يكون الحوار على مستوى المرحلة وحجم المسؤولية الوطنية التي تنتظر السودان
فاللجان والآليات التي تُكلَّف بمهام مصيرية ينبغي أن تقوم على معايير واضحة من الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الحوار والتنوع والتمثيل الحقيقي للمجتمع السوداني القضية ليست في الأشخاص باعتبارهم أشخاصاً، وإنما في مدى ملاءمة الاختيار لحجم المهمة، لأن السودان الذي خرج من حرب قاسية يحتاج إلى عقول قادرة على استيعاب التحول الكبير الذي تشهده البلاد، لا إلى إعادة إنتاج ذات التصورات التي ساهمت في أزماته المتراكمة
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه
أين الشباب ؟
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية ينبغي وضعها في هامش المشهد أو الاكتفاء بتمثيل رمزي لها، وإنما هم قوة اجتماعية ومهنية ووطنية أثبتت حضورها في أصعب سنوات السودان كانوا في قلب المشهد، وفي المبادرات المجتمعية، والعمل الإنساني، والإعلام، والمهن المختلفة، وكانوا في مقدمة من حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن وقدموا التضحيات خلال معركة الكرامة
فكيف يكون الشباب صُنّاعاً للحاضر عندما يكون الوطن في خطر، ثم يصبح حضورهم محدوداً عندما يبدأ الحديث عن صناعة المستقبل ؟
إن إشراك الشباب يجب ألا يكون مجرد إضافة أسماء إلى القوائم، وإنما منحهم دوراً حقيقياً في صناعة القرار وصياغة الرؤية الوطنية، من خلال تمثيل الكفاءات الشابة في مختلف المجالات، من الجامعات والمهن إلى ريادة الأعمال والإعلام والمبادرات المجتمعية والعمل العام، لأن السودان المقبل يحتاج إلى عقول جديدة قادرة على التعامل مع تحديات مختلفة عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة
والسؤال ذاته يمتد إلى المرأة السودانية التي كانت حاضرة بقوة في تفاصيل الحرب وما بعدها، وتحملت أعباء الأسرة والمجتمع، وأسهمت في العمل الإنساني والمجتمعي، وواصلت التعليم والعمل والإنتاج رغم الظروف القاسية
المرأة ليست ضيفاً على مستقبل السودان ولا رقماً لاستكمال صورة التمثيل، وإنما شريك أصيل في صناعة الدولة والمجتمع ولذلك فإن أي عملية حوار أو تأسيس لمرحلة جديدة لا تعكس حضور المرأة السودانية بصورة حقيقية وفاعلة ستظل ناقصة مهما كانت أهدافها وشعاراتها
إن المطلوب ليس تمثيلاً شكلياً للمرأة أو الشباب، وإنما اختيار نساء وشباب يمتلكون الخبرة والكفاءة والقدرة على التأثير والمشاركة الفعلية في صناعة القرار
وفي الوقت الذي تستعيد فيه الخرطوم شيئاً من حياتها، لا ينبغي أن ننظر إلى عودة الأسواق والمواصلات والمؤسسات والمواطنين إلى الشوارع باعتبارها مجرد مظاهر لتعافي مدينة، بل باعتبارها فرصة لاستعادة فكرة الدولة نفسها
فالخرطوم التي عانت الحرب يمكن أن تتحول من رمز للخراب إلى عنوان لإعادة البناء، والمواطن الذي عاش الخوف والنزوح والفقد يحتاج اليوم إلى أن يشعر بأن المرحلة المقبلة ليست مجرد تغيير في الوجوه، وإنما تغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة وعلاقتها بالمواطن
لقد كشفت الحرب عن حجم الألم الذي يمكن أن يصيب الوطن، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن طاقات هائلة لدى السودانيين. كشفت شباباً قادرين على المبادرة، ونساءً قادرات على الصمود، ومهنيين قادرين على إعادة بناء مؤسساتهم، ومجتمعات قادرة على التكافل، ووطناً ما زال، رغم كل ما حدث، يمتلك القدرة على النهوض
ولهذا فإن الحوار الوطني الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال من معنا ومن ضدنا؟ وإنما بالسؤال الأهم ما الذي يحتاجه السودان، ومن الأكثر قدرة على تقديمه ؟
نحتاج إلى حوار يستوعب الاختلاف دون أن يحوله إلى خصومة، ويعترف بالتضحيات دون أن يحولها إلى صكوك لاحتكار الوطنية، ويقدر من وقف في وجه الحرب، وفي الوقت ذاته يفتح الباب أمام كل سوداني قادر على الإسهام في البناء
فالنصر العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل إلا بانتصار سياسي ومجتمعي واقتصادي وأخلاقي يعيد للسودانيين دولتهم وحياتهم وكرامتهم. ولا يمكن أن نبني السودان الجديد بعقلية السودان القديم
ومن هنا، فإن إعادة النظر في تشكيل اللجان والآليات المعنية بالحوار ليست انتقاصاً من أحد، وإنما مسؤولية وطنية تفرضها طبيعة المرحلة ومن حق السودانيين أن يعرفوا معايير الاختيار، وأن يسألوا عن مستوى الكفاءة، وعن حجم التمثيل الحقيقي للشباب والمرأة، وعن حضور الأقاليم والخبرات والمهن المختلفة
ليس المطلوب إقصاء أحد، وإنما اختيار الأفضل والأقدر والأكثر تعبيراً عن روح المرحلة
فالسودان اليوم لا يحتمل لجاناً تُشكّل بمنطق المجاملة، ولا حوارات تُدار بمنطق النخب المغلقة إنه يحتاج إلى مشروع وطني واسع، وإلى عقول تعرف كيف تُعالج آثار الحرب، وتعيد بناء المؤسسات، وتستعيد الاقتصاد، وتفتح أبواب التعليم والعمل، وتحول عودة الحياة إلى المدن الآمنة إلى بداية لمسار وطني شامل
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً، ومن حقهم الآن أن يكون لهم صوت حقيقي في رسم الغد. ومن حق الشباب الذين حملوا عبء الحاضر أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل، ومن حق المرأة التي حملت الأسرة والمجتمع في أصعب الظروف أن تكون في مقدمة طاولة القرار، ومن حق السودان أن تُمنح هذه المرحلة أفضل ما فيه، لا ما اعتاد عليه
فإذا كنا قد بدأنا نستعيد الحياة في الخرطوم، فلنستعد نحن أيضاً لفكرة الحياة الجديدة حياة لا يكون فيها الحوار مجرد اجتماع، ولا التمثيل مجرد أسماء، ولا المستقبل مجرد شعار
بل حوار سوداني ـ سوداني حقيقي، يفتح الطريق أمام دولة سودانية جديدة، تتسع للجميع، ويصنع مستقبلها أبناؤها وبناتها، ويكون فيها الانتصار بدايةً للبناء لا نهايةً للمعركة .

