البرهان والإعلام .. خطوة إلى الأمام
كتبت / إيثار عمر عبدالحميد
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تُقاس أهمية الخطابات بما تقوله في لحظتها فقط، وإنما بما تفتحه من أسئلة وما تضعه أمام الدولة والمجتمع من إستحقاقات
والسودان يقف اليوم عند واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وحساسية؛ حرب تركت آثارها في الإنسان والدولة والاقتصاد والمجتمع، وانتصارات عسكرية تضع البلاد أمام امتحان أكثر صعوبة كيف يتحول الخروج من المعركة إلى بداية لبناء الدولة، وكيف تتحول التضحيات إلى مشروع وطني يستعيد الأمن والاستقرار ويعيد للناس حياتهم وكرامتهم
في هذا السياق، يكتسب حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، أمام الصحفيين والإعلاميين، أهمية تتجاوز حدود اللقاء نفسه
فالمسألة هنا ليست فقط ما قيل، وإنما أن تفتح القيادة السياسية والعسكرية مساحة مباشرة مع الإعلام في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى قدر أكبر من الوضوح والمعلومات والحوار
ولعل القيمة الأهم في أي لقاء من هذا النوع أنه يضع السلطة أمام جمهور مختلف عن جمهور المؤتمرات الرسمية؛ جمهور مهني مهمته الأساسية أن يسأل، وأن يبحث عن التفاصيل، وأن يقارن بين القول والفعل، وأن ينقل للرأي العام ما يحدث دون أن يتحول إلى طرف في الصراع
وهذا تحديداً ما يجعل الانفتاح على الإعلام فرصة للدولة بقدر ما هو فرصة للإعلام
فالسلطة تحتاج إلى إعلام ينقل رؤيتها ويشرح سياساتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إعلام يسألها عن نتائج هذه السياسات، ويضع أداء مؤسساتها تحت الضوء، وينقل أسئلة المواطنين كما هي، دون تزيين أو تهويل
الحرب بطبيعتها تنتج خطاباً يرتبط بالبقاء والمواجهة والانتصار
لكن الدولة لا تستطيع أن تبقى أسيرة خطاب الحرب بعد أن تبدأ مرحلة ما بعدها
فالانتصار العسكري، مهما كانت قيمته، ليس نهاية المعركة الوطنية
هناك معركة أخرى أكثر تعقيداً تنتظر السودان؛ معركة إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة المؤسسات، وإعادة الإعمار، وإعادة الخدمات، ومعالجة آثار النزوح والفقد، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، واستعادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة
وهنا يصبح السؤال أكثر اتساعاً من سؤال الحرب
أي سودان نريد أن نبني بعد الحرب ؟
هذا السؤال ينبغي أن يكون حاضراً في كل خطاب سياسي وإعلامي خلال المرحلة المقبلة
فالمواطن الذي صمد خلال الحرب لا يريد فقط أن يسمع عن استعادة المدن، وإنما يريد أن يرى أثر ذلك في حياته اليومية
يريد استقرار الأسعار، وانتظام الخدمات، وعودة أبنائه إلى المدارس، وعودة الإنتاج، وفتح الطرق، واستعادة مؤسسات الدولة، والشعور بأن المستقبل أصبح أكثر أمناً من الماضي
في مراحل التحول الكبرى، يصبح الإعلام جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة
ليس بمعنى أن يتحول إلى بوق للسلطة، ولا أن يصبح منصة للمعارضة، وإنما أن يستعيد وظيفته الأساسية: المراقبة، والتحقق، والتحليل، وصناعة الوعي العام
ولهذا فإن اللقاءات المباشرة بين المسؤولين والإعلاميين ينبغي ألا تكون مناسبات استثنائية
المطلوب هو بناء تقليد جديد يقوم على التواصل المنتظم، وإتاحة المعلومات، والمؤتمرات الصحفية، والأسئلة المفتوحة، والردود الواضحة، وإتاحة الوثائق والبيانات التي تساعد الصحافة على أداء دورها
فالشفافية لا تعني أن تتخلى الدولة عن أسرارها السيادية أو متطلبات الأمن القومي
لكنها تعني أن يعرف المواطن ما يمكنه معرفته، وأن يجد الصحفي المعلومات التي تمكنه من أداء واجبه، وأن تكون هناك مساحة حقيقية للتساؤل والنقد
السؤال الصعب ليس مشكلة
الدولة التي تريد بناء الثقة لا ينبغي أن تخشى الأسئلة الصعبة
بل إن السؤال الصعب يمكن أن يكون فرصة لتوضيح الموقف، وتصحيح المعلومات، وكشف الحقائق، وإعادة بناء جسور الثقة
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع دائرة الحوار الإعلامي والسياسي، بحيث لا تقتصر على الأصوات المتفقة، وإنما تستوعب أيضاً الأصوات المختلفة والناقدة، وفق قواعد مهنية تحترم الدولة وتحترم حق المجتمع في المعرفة
فالاختلاف ليس بالضرورة خصومة، والنقد ليس بالضرورة عداء
وفي مجتمع خرج من حرب بهذا الحجم، فإن إدارة الاختلاف بالحوار تصبح واحدة من أهم أدوات بناء السلام
الاقتصاد هو الإختبار الحقيقي
فالحديث عن المعركة الاقتصادية لا ينبغي أن يبقى شعاراً
فالاقتصاد هو المكان الذي يلتقي فيه المواطن مباشرة مع نتائج السياسة
وإذا كانت الحرب قد استنزفت موارد الدولة وأضعفت الإنتاج ورفعت كلفة المعيشة ووسعت دائرة الاحتياجات، فإن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى رؤية اقتصادية مختلفة تقوم على الإنتاج والاستثمار والشراكات، لا على المعالجات المؤقتة وحدها
وهنا تبرز أهمية إشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال والخبراء والاقتصاديين والمغتربين وأصحاب المبادرات الوطنية في إعادة بناء الاقتصاد
لكن ذلك يحتاج إلى بيئة واضحة قوانين مستقرة، مؤسسات فاعلة، شفافية، مكافحة للفساد، حماية للاستثمار، وتحديد واضح لأولويات الدولة
فالاقتصاد لا يُدار فقط بالموارد، وإنما بالثقة
ربما تكون قيمة حديث البرهان الحقيقية فيما يمكن أن يترتب عليه
هل يصبح بداية لتواصل أكثر انتظاماً مع الإعلام ؟
هل تفتح الملفات التي أثيرت للنقاش العام الواسع ؟
هل تتحول القضايا التي طُرحت إلى سياسات وبرامج ؟
هل يستطيع الإعلام متابعة تنفيذ ما تعلنه الدولة ؟
وهل تصبح العلاقة بين السلطة والصحافة أكثر انفتاحاً واحترافية ؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في مقدمة المشهد الآن
فالحديث السياسي مهما كان صريحاً لا يكفي وحده لبناء الثقة
الثقة تُبنى عندما يرى المواطن أن الكلام يتحول إلى فعل، وأن القرارات تتحول إلى نتائج، وأن المؤسسات تعمل، وأن المسؤول يمكن مساءلته عن ما وعد به
قد يكون من السهل الاحتفاء بلحظة الانتصار، لكن صناعة السلام وبناء الدولة أصعب بكثير من كسب المعركة
السودان يحتاج الآن إلى الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى إدارة الدولة
ومن خطاب التعبئة إلى خطاب البناء
ومن استعادة الأرض إلى استعادة الإنسان
ومن تثبيت الأمن إلى تثبيت الاقتصاد
ومن انتهاء المعركة العسكرية إلى بداية مشروع وطني جامع
وهنا يصبح الإعلام أحد أهم الجسور بين الدولة والمجتمع
إذا نجح في أن يكون مهنياً ومستقلاً ومسؤولاً، وإذا نجحت الدولة في أن تنظر إليه باعتباره شريكاً في بناء الوعي لا خصماً سياسياً، فقد يتحول التواصل الذي بدأ بلقاء إلى مسار أكثر أهمية وتأثيراً
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي حديث رسمي لا تكمن في حرارة اللحظة، ولا في حجم التفاعل معه، ولا في عدد العناوين التي تصدرت المشهد
القيمة الحقيقية تبدأ في اليوم التالي حين تتحول الكلمات إلى أفعال، والأسئلة إلى سياسات، والانتصار إلى دولة، والتضحيات إلى مستقبل يستحقه السودانيون
في المحصلة، يبقى لقاء البرهان بالصحفيين والإعلاميين حدثاً مهماً في سياق المشهد السوداني الراهن، ليس فقط لما طُرح خلاله من قضايا، وإنما لفتح مساحة مباشرة للحوار بين القيادة والإعلام وتظل الخطوة الأهم هي البناء على هذا التواصل، بما يعزز الشفافية، ويمنح الصحافة مساحة أوسع للقيام بدورها في نقل الحقيقة وطرح الأسئلة ومتابعة ما يقال على أرض الواقع .

