*طارق الشيخ محمد الشيخ*
### *التعافي الاقتصادي يبدأ من هنا: وصفة هيكلية لضبط الأسعار وإنقاذ الجنيه*
طارق الشيخ محمد الشيخ
يتطلب التعافي الاقتصادي الحقيقي في السودان معالجة هيكلية متكاملة، لا مسكنات وقتية. معادلة ضبط الأسعار واستقرار المعيشة لن تكتمل إلا بجمع ثلاثة أضلاع أساسية: *إصلاح نقدي صارم، وتحفيز إنتاجي مباشر، وضبط محكم للسوق*. أي اختلال في أحدها سيعيدنا لمربع التضخم والانهيار.
#### *أولاً: كبح جماح التضخم.. إيقاف “مكنة” طباعة العملة*
التضخم الحالي ليس قدراً. سببه الأول والأخير هو التمويل بالعجز.
*الحل يبدأ بالتوقف الفوري عن طباعة العملة* دون غطاء إنتاجي حقي لتغطية الإنفاق الحكومي. هذه الخطوة وحدها ستقطع نصف الطريق نحو استقرار الأسعار.
بالتوازي، يجب *ضبط الكتلة النقدية* عبر خطوتين:
1. سحب السيولة المتداولة خارج القطاع المصرفي وإدخالها بالقوة عبر *الدفع الإلكتروني*.
2. تفعيل أدوات البنك المركزي لامتصاص السيولة الزائدة من السوق.
ومع ذلك، لا استقرار نقدي دون *توحيد سعر الصرف* والقضاء على المضاربة في السوق الموازي. فطالما أن سعر الدولار يتأرجح، ستظل القيمة الشرائية للجنيه تتآكل يومياً.
#### *ثانياً: الوقود.. من عبء إلى أداة إنتاج*
فاتورة الوقود تستنزف النقد الأجنبي وتشعل الأسعار. والطريقة المثلى للخروج من هذه الدائرة هي:
1. *الشراء المباشر والتنافسي*: عبر مناقصات عالمية شفافة مع الشركات المصنعة مباشرة، بعيداً عن السماسرة، لضمان أقل سعر ممكن.
2. *محافظ تمويل الصادرات*: ربط استيراد الوقود بعوائد الصادر. بدلاً من إجهاد احتياطي بنك السودان، يتم تخصيص جزء من عائدات الذهب والسم والصمغ لشراء الوقود مباشرة.
3. *شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص*: دور الدولة ينحصر في الإشراف على التسعير وتحديد هوامش الربح العادلة، بينما يُترك التوزيع واللوجستيات للقطاع الخاص ليتنافس ويخفض الكلفة.
#### *ثالثاً: الصادر هو المخرج.. لكن بقيمة مضافة*
لا يمكن لدولة مصدرة للمواد الخام أن تتعافى. يجب أن ننتقل من “دولة السمسم الخام” إلى “دولة الزيوت والطحينة”.
*الخطوة الأولى: حظر أو فرض رسوم تصاعدية* على تصدير المواد الخام كالسم والفول والصمغ والجلود والذهب الخام، وإلزام المصدرين بمعالجتها محلياً.
*الخطوة الثانية: تسهيل حصائل الصادر* بمنح المصدرين مرونة في إرجاع الحصائل، وتخصيص نسبة منها لاستيراد مدخلات الإنتاج دون تعقيدات.
*الخطوة الثالثة: فتح أسواق جديدة* عبر اتفاقيات تفضيلية وإنشاء معارض دائمة للمنتج السوداني في أفريقيا والخليج، حيث الميزة التنافسية لنا.
#### *رابعاً: تحرير الاستثمار من قيود الجبايات*
المستثمر اليوم يهرب من “نقاط التحصيل” أكثر مما يهرب من المخاطرة.
يجب *إلغاء الجبايات والرسوم الولائية المتعددة* وتوحيدها في نافذة واحدة، مع تجريم أي تحصيل غير قانوني على الطرق بين الولايات.
كما يتطلب الأمر *تخصيص الأراضي للمشاريع الإنتاجية* بعقود طويلة الأمد وأسعار رمزية، مشروطة بجدول زمني للإنتاج لا المضاربة.
ولا تعافي صناعي أو زراعي دون *إعفاء كامل* لمدخلات الإنتاج: الآلات، خطوط الإنتاج، والأسمدة من الجمارك والضرائب.
#### *خامساً: إعادة الثقة لرؤوس الأموال*
رأس المال جبان. ولن يعود إلا بضمانات.
يجب تقديم *ضمانات قانونية لحرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال* للداخل والخارج.
وتوفير *تسهيلات تمويلية استثنائية* بخفض نسب المرابحة للمشاريع الزراعية والصناعية كثيفة التشغيل والموجهة للصادر.
وأخيراً، كسر فاتورة التشغيل عبر *دعم مشاريع الطاقة الشمسية* للقطاعين الصناعي والزراعي. فلا يمكن لمصنع أن ينافس وهو يعمل بمولد ووقود.
*الخلاصة*
الوصفة واضحة. لا يمكن ضبط الأسعار ببيان، ولا يمكن إنعاش الاقتصاد بقرار. نحتاج لبرنامج إنقاذ هيكلي يبدأ بإصلاح العملة، ويمر بالإنتاج، وينتهي بسوق منضبط.
السودان يمتلك كل الموارد.. ما ينقصه هو القرار والتنفيذ.

