تنمية القطاع الخاص مسؤولية الحكومة
رؤية لدور الدولة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي في إعادة بناء اقتصاد السودان بعد الحرب
بقلم د محمود أحمد إبراهيم آدم
سيخرج السودان من الحرب وهو يواجه مهمة تتجاوز إعادة تشييد ما تهدم من مبانٍ وطرق ومصانع. فالتحدي الحقيقي هو إعادة بناء الثقة، واستعادة دورة الإنتاج، وإحياء الأسواق، وتوفير الوظائف، وإعادة دمج ملايين المواطنين في نشاط اقتصادي منتج. وهذه مهمة أكبر من قدرة الحكومة، مهما بلغت مواردها أو حسنت نواياها.
اقتصاد ما بعد الحرب يحتاج إلى شراكة جديدة
تجارب التنمية الحديثة تؤكد أن الحكومة لا تصنع الازدهار وحدها، لكنها تستطيع أن تهيئ شروطه أو تعرقله. فالقطاع الخاص هو الأقدر على تحويل الفرص إلى استثمارات ومنتجات ووظائف، بينما يسد القطاع الثالث، أي المنظمات غير الربحية والتعاونيات والمؤسسات المجتمعية، الفجوات الاجتماعية والتنموية التي لا تغطيها السوق أو الموازنة العامة. أما الحكومة فمسؤوليتها الأساسية هي بناء الدولة التي تجعل عمل هذين القطاعين ممكنًا وعادلًا وآمنًا.
ومن هنا تبدو العبارة التي قد تبدو متناقضة لأول وهلة صحيحة اقتصاديًا: تنمية القطاع الخاص مسؤولية الحكومة، لكن ممارسة النشاط التجاري ليست وظيفتها الأصلية.
الدولة الممكنة لا الدولة المزاحمة
حين تدخل الحكومة السوق مالكًا ومنظمًا ومشرّعًا ومحصّلًا للضرائب في الوقت نفسه، تصبح المنافسة مختلة بطبيعتها. فالمؤسسة الحكومية قد تحصل على الأرض أو التمويل أو الضمانات أو الإعفاءات بصورة لا تتاح لمنافسها الخاص، وقد تستفيد من النفوذ الإداري أو تأجيل الالتزامات أو الحماية من الإفلاس. عندها لا تكون المنافسة بين شركتين، بل بين شركة وبين السلطة التي تضع قواعد السوق.
ولا يعني ذلك أن الدولة يجب أن تنسحب من الاقتصاد كليًا. فلها دور مباشر ومشروع في الأمن والعدالة والبنية التحتية والخدمات العامة، وفي القطاعات الاستراتيجية أو حالات الطوارئ وفشل السوق والاحتكارات الطبيعية. لكنها حين تمارس نشاطًا تجاريًا يمكن للقطاع الخاص القيام به، يجب أن تخضع المنشأة العامة للقواعد الضريبية والتمويلية والإفصاحية نفسها، وأن تُفصل سلطة التنظيم عن الملكية، وأن تُطبق مبادئ الحياد التنافسي.
المشكلة ليست في الملكية العامة في ذاتها، بل في غياب الحدود والمساءلة. المطلوب دولة قوية في التشريع والرقابة وتوفير الخدمات، لا دولة تتوسع في بيع السلع والخدمات ثم تستخدم سلطتها لترجيح كفة مؤسساتها.
لماذا لا تستطيع الموازنة العامة قيادة الإعمار وحدها
إعادة الإعمار تحتاج إلى رأس مال ضخم، بينما ستواجه الدولة بعد الحرب ضغوطًا متزامنة على الإنفاق: الأمن، والصحة، والتعليم، وتعويض المتضررين، وإصلاح البنية الأساسية، وخدمة الدين، وإعادة بناء الجهاز الإداري. وإذا حاولت الخزانة العامة تمويل كل شيء، فقد تكون النتيجة مزيدًا من العجز والتضخم والضرائب والاقتراض، وهي عوامل تضعف النشاط الذي يفترض أن تموله.
البنك الدولي يشير إلى أن القطاع الخاص في الاقتصادات النامية يولد نحو 90 في المائة من الوظائف، وثلاثة أرباع الاستثمار، وأكثر من 70 في المائة من الناتج. وفي الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، تظل المنشآت الخاصة مصدرًا لنحو 80 في المائة من الوظائف. وهذه الأرقام لا تقلل من قيمة الدولة؛ بل توضح أين ينبغي أن تركز مواردها المحدودة: في بناء المؤسسات التي تجعل الاستثمار ممكنًا بدل محاولة الحلول محل المستثمر.
ويجب أن يكون معيار التدخل الحكومي هو القيمة العامة الإضافية. فإذا كان القطاع الخاص يستطيع تقديم الخدمة بكفاءة وفي إطار تنافسي منضبط، فالأفضل أن تنظم الحكومة السوق وتحمي المستهلك وتضمن الجودة، بدل أن تصبح منافسًا فيه.
دروس من التجارب العالمية
لم تبن الاقتصادات الناجحة أسواقها بغياب الدولة، كما أنها لم تبنها بإقصاء القطاع الخاص. ففي تجارب شرق آسيا، وجهت الحكومات الاستثمار نحو التصدير والصناعة والتقنية، وربطت الحوافز بنتائج قابلة للقياس مثل الإنتاجية والتصدير والتوظيف. وفي الاقتصادات الأوروبية، أسهمت مؤسسات التمويل والضمان والتدريب المهني وحماية المنافسة في تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما الاقتصادات الخارجة من النزاعات، فتوضح خبرتها أن التعافي يبدأ غالبًا من الشركات المحلية والأسواق الصغيرة قبل المشروعات الكبرى. فإصلاح الطرق والطاقة والمدفوعات، واستعادة السجلات والحقوق، وتوفير رأس المال العامل، وإزالة نقاط الجباية غير القانونية، يمكن أن يعيد آلاف المنشآت إلى العمل بسرعة أكبر من إنشاء شركات حكومية جديدة.
الدرس المشترك هو أن الحوافز لا تنجح إذا كانت مفتوحة بلا شروط. فالإعفاءات والتمويل المدعوم يجب أن تكون مؤقتة وشفافة ومرتبطة بالاستثمار الفعلي، وعدد الوظائف، والقيمة المضافة المحلية، والتصدير، والالتزام الضريبي والبيئي. وإلا تحولت سياسة تشجيع الاستثمار إلى توزيع امتيازات على مجموعات محدودة.
تجربة الجزائر بين إنجاز الدولة وحدود النموذج الريعي
تقدم الجزائر تجربة مهمة للسودان لأنها تجمع بين دولة ذات حضور اقتصادي واسع، وموارد طبيعية كبيرة، ومحاولات ممتدة لتنويع الاقتصاد. وقد مكّنت عائدات النفط والغاز الدولة الجزائرية من تمويل البنية التحتية والخدمات والحماية الاجتماعية، لكنها أسهمت أيضًا في ترسيخ اعتماد الاقتصاد والمالية العامة على المحروقات، واتساع دور المؤسسات العامة، وضعف مساهمة الاستثمار الخاص والتصدير غير النفطي مقارنة بالإمكانات.
توضح تقارير البنك الدولي عن الجزائر أن التنويع وزيادة الإنتاجية وجذب الاستثمار الأجنبي تظل شروطًا أساسية لنمو أكثر استدامة. كما تشير تقييمات مناخ الاستثمار إلى أن هيمنة المؤسسات العامة وتعقيد الإجراءات والقيود التنظيمية يمكن أن تحد من دخول المستثمرين والمنافسة، رغم الفرص الواسعة في الزراعة والصناعة والخدمات والطاقة المتجددة.
ومع اتجاه الجزائر إلى إصلاح قواعد الاستثمار وتيسير إجراءاته وتشجيع القطاعات خارج المحروقات، يظهر درسان للسودان. الأول أن الإيرادات الطبيعية تستطيع تمويل التنمية، لكنها لا تضمن بناء اقتصاد متنوع. والثاني أن تغيير القوانين وحده لا يكفي ما لم يصاحبه استقرار في السياسات، وسرعة في التنفيذ، وشفافية في تخصيص الأرض والتمويل، وعدالة بين المؤسسات العامة والخاصة.
ينبغي للسودان ألّا يكرر خطأ تحويل الذهب أو النفط أو الموارد الزراعية إلى مصدر لتمويل جهاز حكومي متضخم. الأفضل توظيف إيرادات الموارد في البنية الأساسية والتعليم والضمانات الاستثمارية وصناديق الأجيال، بما يوسع قاعدة الإنتاج بدل زيادة اعتماد المجتمع على الإنفاق العام.
القطاع الثالث ليس هامشًا خيريًا
غالبًا ما يُختزل القطاع غير الربحي في الإغاثة وتوزيع المساعدات، مع أن دوره في مرحلة ما بعد الحرب أوسع بكثير. فالمنظمات والجمعيات والتعاونيات والأوقاف والمؤسسات الاجتماعية تستطيع تقديم التدريب والرعاية الصحية والتعليم والتمويل الأصغر، ودعم المنتجين، وإعادة دمج النازحين والمحاربين السابقين، وتنفيذ مشروعات محلية في المناطق التي لا تصل إليها الشركات سريعًا.
ولا ينبغي أن يحل هذا القطاع محل الدولة أو القطاع الخاص، بل أن يكمل عملهما. فهو يستطيع تحمل بعض المخاطر الاجتماعية التي لا يقبلها المستثمر التجاري، وتجربة نماذج جديدة، وتحويل المستفيد من متلقٍ للمساعدة إلى منتج وصاحب دخل. كما يستطيع جذب التمويل الخيري وتمويل التنمية والأثر الاجتماعي إلى مشروعات لا تناسب التمويل التجاري التقليدي.
لكن نجاحه يتطلب قانونًا واضحًا، وحوكمة وإفصاحًا ماليًا، وقياسًا للأثر، ومنعًا لتسييس العمل الإنساني أو استخدام الإعفاءات في أنشطة تجارية غير عادلة. فالقطاع الثالث شريك تنموي، وليس منطقة خارج الرقابة.
ما الذي يجب أن تفعله الحكومة السودانية
أول واجبات الحكومة هو استعادة سيادة القانون وحماية الملكية والعقود. فلا مستثمر يضخ رأس ماله إذا كان لا يضمن ملكيته للأرض أو قدرته على تنفيذ العقد أو تحويل أرباحه أو تسوية النزاع خلال وقت معقول.
ثانيًا، تحتاج البلاد إلى نظام ضريبي بسيط ومستقر وعادل. المطلوب توسيع القاعدة بدل رفع العبء على عدد محدود من المنشآت المنظمة، وتوحيد الرسوم بين مستويات الحكم، ومنع الجبايات المتعددة، ورقمنة التسجيل والسداد، ومنح إعفاءات محددة المدة للاستثمارات التي تعيد الأصول المتضررة أو تخلق وظائف في المناطق المنكوبة.
ثالثًا، يجب تسهيل تأسيس الشركات والتراخيص والجمارك والحصول على الأرض والخدمات من خلال نافذة موحدة حقيقية، بمدد زمنية معلنة، ومسار تظلم، ونشر الرسوم والمتطلبات إلكترونيًا. النافذة الواحدة ليست مبنى يجمع الموظفين، بل قرار إداري ينهي دوران المستثمر بين الجهات.
رابعًا، لا يمكن للقطاع الخاص أن يقود الإعمار من دون تمويل. ولذلك يحتاج السودان إلى آليات ضمان ائتماني، وتمويل لرأس المال العامل، وتأمين مخاطر الاستثمار، وصناديق لإعادة تأهيل المنشآت الصغيرة، وتشجيع المصارف على تمويل القطاعات الإنتاجية بدل الاكتفاء بالضمانات العقارية.
خامسًا، ينبغي فتح البنية التحتية للشراكة مع المستثمرين من خلال عقود شفافة وقابلة للمراجعة في الطاقة والاتصالات والنقل والمياه والمناطق الصناعية. لكن الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست وسيلة لإخفاء الدين العام؛ بل التزام طويل الأجل يجب تقييم مخاطره وتكلفته والإفصاح عنه.
سادسًا، يجب إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة: حصرها، ونشر قوائمها المالية، وتحديد غرض كل مؤسسة، وفصل المنظم عن المالك، ثم تقرير ما ينبغي الإبقاء عليه أو إعادة هيكلته أو فتحه للشراكة أو التخارج منه. ولا يجوز منحها امتيازات غير متاحة للمنافسين.
عقد تنموي جديد
السودان بعد الحرب يحتاج إلى عقد تنموي يوزع الأدوار بوضوح. الحكومة تضع القواعد وتبني المؤسسات والبنية الأساسية وتحمي المنافسة والفئات الأضعف. والقطاع الخاص يستثمر وينتج ويبتكر ويصدر ويوظف. والقطاع الثالث يعالج الفجوات الاجتماعية، ويبني القدرات المحلية، ويوصل التنمية إلى المجتمعات الأكثر هشاشة.
هذا العقد لا يعني خصخصة الدولة أو إعفاء المستثمر من المسؤولية. فالقطاع الخاص يحتاج إلى رقابة تمنع الاحتكار والفساد واستغلال العمال والموارد، كما يحتاج القطاع غير الربحي إلى شفافية ومحاسبة. لكن الرقابة الفعالة تختلف عن التحكم الإداري؛ فهي تضع قواعد متساوية وتراقب النتائج ولا توزع الفرص بالمحاباة.
ويجب إنشاء مجلس وطني لتنمية القطاع الخاص يضم الحكومة واتحادات الأعمال والمصارف والقطاع غير الربحي والجامعات والولايات. على أن تكون مهمته إزالة العقبات وقياس تكلفة ممارسة الأعمال ومتابعة الإصلاحات، لا توزيع الامتيازات أو منح العقود.
من الشعارات إلى مؤشرات قابلة للقياس
حتى لا تتحول الدعوة إلى تمكين القطاع الخاص إلى شعار جديد، يجب قياس أداء الحكومة بمؤشرات معلنة: عدد الأيام اللازمة لتأسيس الشركة، وزمن الإفراج الجمركي، وتكلفة الحصول على الكهرباء، ونسبة التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والإنتاج، وعدد الرسوم التي تم إلغاؤها أو توحيدها، وقيمة الاستثمار الجديد، والوظائف المستدامة، والصادرات غير التقليدية.
كما يجب نشر المستفيدين من الحوافز والعقود الحكومية ونتائجها. فالشفافية تحمي المستثمر الجاد والمجتمع معًا، وتمنع استبدال احتكار الدولة باحتكار خاص مرتبط بمراكز النفوذ.
الخلاصة
تنمية القطاع الخاص مسؤولية الحكومة، لا بمعنى أن تديره أو تختار الفائزين فيه، بل بأن توفر له القانون والبنية الأساسية والتمويل العادل والمنافسة والاستقرار. والحكومة التي تنجح ليست التي تمتلك أكبر عدد من الشركات، بل التي تجعل تأسيس شركة ناجحة وإدارتها وتوسعها أمرًا ممكنًا لأي مواطن أو مستثمر ملتزم بالقانون.
لن يستطيع السودان إعادة بناء اقتصاده بالخزانة العامة وحدها، ولن يحقق التنمية بقطاع خاص غير منضبط، ولن يعالج آثار الحرب بمساعدات مؤقتة فقط. الطريق الأكثر واقعية هو شراكة مؤسسية بين دولة ممكنة، وقطاع خاص منتج، وقطاع ثالث مسؤول.
إذا أحسنت الدولة بناء هذه المنظومة، فلن تكون إعادة الإعمار مجرد استعادة لما كان قائمًا قبل الحرب، بل فرصة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وعدالة وقدرة على الصمود. أما إذا عادت الحكومة إلى مزاحمة المستثمر ومنح الامتيازات وحماية المؤسسات التابعة لها، فسوف تعيد إنتاج الاختلالات القديمة بأموال جديدة.
مراجع للاستزادة
• البنك الدولي Business Ready 2024 بيانات دور القطاع الخاص في الوظائف والاستثمار والناتج
• البنك الدولي أوضاع الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات ودور القطاع الخاص في الوظائف
• البنك الدولي التحديث الاقتصادي للجزائر 2023 التنويع وجذب الاستثمار
• البنك الدولي التحديث الاقتصادي للجزائر 2025 الإنتاجية والنمو خارج المحروقات
• مجموعة التقييم المستقلة بالبنك الدولي خبرات إعادة الإعمار بعد النزاعات
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

